ديموقراطية الموبيل
كنت ومازلت مؤمنا بان التيكنولوجيا تكنس الرداءة وتحاربها حيثما وجدت ، لذلك تخافها هذه الاخيرة وتقف في طريق تعميمها حتى يخلو لها الجو لتمارس اهواءها .. الموبيل كآخر تقليعة تكنولوجية اتصالية حطم كل الحواجز البيروقراطية وحقق رقما قياسيا في النزول من طبقة الباشاوات الى طبقات ادنى واصبح جماهيريا في متناول الجميع الطلبة ، العمال ، الموظفين ، النساء ، المراهقين الخ ..ان وجود ثلاث شركات ببلادنا متنافسة على سوق الموبيل خلق ديناميكية حقيقية، لم يعرفها اقتصادنا من قبل . حتى في ظل الثنائية القطبية بين جازي وموبيليس ،كانت الحرب باردة مثل الشمس الباردة التي غناها قروابي في شبابه ، لأن التنافس بقي بطيئا ومحتشما وأحيانا باهتا ،و بعد دخول المتعامل الثالث الوطنية الكويتية ، حدث الانفجار الحقيقي وبدأت المعركة الحقيقية في وضح النهار وبعيدا عن الكواليس ، وكل شيء في شفافية لا غبار عليها ، وكل جديد ينقله الاعلام مباشرة الى الجماهير المستهلكة ، وانتعش الاعلام المكتوب والسمعي بصري بصفقات اشهارية ، حلال ظل يحلم بها بعيدا عن تعليمات السادة رؤساء الحكومات الذين ظلوا اوفياء لقوانين المونوبول الاشهاري الاشتراكي ، في زمن العولمة والقرية العالمية المفتوحة . واستفاد المواطن الراشد/ المستهلك من هذا التنافس الشريف ، واصبح للمواطن الحق في امتلاك التيكنولوجيا ،والحق في الاتصال والتواصل ، والحق في الاختيار، بعد ان اتهم بانه قاصر ..انه عصر الموبيل .. يبشر بنهاية عصر الطابوهات ، والاسرار ، والالتواءات ، والوساطات ، والرشاوي ، والقهاوي ، والكتاف ، والبنعميست .. اليوم وفي ظل المنافسة الحقيقية الشريفة ، اصبحت كل شركة تقدم خدمات افضل وبأسعار اقل ، حيث اصبحت في خدمة الزبون حيثما وجد ، وهي في اتصال معه في كل وقت وفي كل مكان ، ترسل له رسائل التهاني في المناسبات والاعياد ، تعلمه باي تغيير جديد.. تقرب منه مكاتب الخدمات والاستعلامات والاحتجاجات .. الم يصبح المواطن سلطانا في زمن الموبيل ؟ واصبح اليوم من حق المواطن المستهلك ان يجرب خدمات الشركات المتنافسة ، والتي لاتعجبه ، يرمي بخطها ويختار غيرها دون ان يتحسر على ماانفق من مال .. والمدهش ان بعض المواطنين يجمعون في آن واحد خطوط الشركات الثلاث/ زكارة/ في عصر الرداءة ، فاذا تقاعست احدى الشركات في تلبية خدماته الاتصالية ، تحول مباشرة الى خدمات الاخرى دون ان يضيع وقته في طوابير البيروقراطية .. ياللعرس .. ياللفرحة .. ياللديموقراطية ..ماذا لو عممت تجربة الموبيل ؟ وانتقلت عدواها الى البنوك وشركات التامين و الطيران ، والبحرية والصناعة والمقاولات والفلاحة والسياحة والتلفزيون والاستيراد ، بدون شك سيكون الاقلاع الحقيقي ، ويخرج الاقتصاد من زريبة البروقراط ، الى عالم الكفاءة الارحب .. ماذا لو نفتح الباب في كل مجال لثلاثة متعاملين مؤهلين ومسؤولين في الوقت نفسه، ونتركهم يتنافسون في خدمة المواطن / المستهلك بتقديم الافضل بالسعر الافضل ؟ ليس ذلك مستحيلا ان توفرت النية الحسنة والارادة السياسية والافضل .. الافضل .. ان ننقل تجربة الموبيل الى السياسة لنبعث الروح في الساحة السياسية الميتة .. نترك ثلاثة احزاب حقيقية لها امتدادها في عمق المجتمع ولها برامجها الشاملة التي سهر في اعدادها خبراء ومختصون لتقديم البديل الحقيقي .. وليظهر زعماء احزاب لهم شخصيتهم ، ولهم كلمتهم ، وليقدموا برامجهم ويستعملوا افضل وسائل الاتصال والدعاية للوصول الى ضمير المواطن هذه المرة وليس الى جيبه فقط ، ويقدموا تصوارتهم للوطن الجميل المنشود، بعيدا عن مضايقات البوليس ، واختراقات المخبرين ، وتطفل المتطفلين .. ما احوجنا اليوم الى معرفة وجه سياسي جديد غير منافق ، والى خطاب سياسي غير مرتزق ،والى مشروع اقتصادي عادل .. سئمنا من اخبار احزاب الفنادق ، واخبار الفضائح في بيت الحزب الفلاني ، واخبار سحب الثقة من رئيس الحزب الفلاني ، واخبار تصدع قيادة الحزب الفلاني .. هذه اخبار كاسدة ولايستحق ان نرشفها مع قهوة الصباح في يومياتنا او تهدهدنا بها نشرة الثامنة قبيل النوم ..
اذا فلنقتد بديموقراطية الموبيل .. والا فان اللعنة ستحل علينا جميعا كما بشر بها الاديب اللامع سعيد بوطاجين ..

إرسال تعليق