صناعة ثقافية.. بديلة للسخافة
هاهو بن قطاف يعود من الخارج الى وكره القديم المسرح ، كالعادة ينصب مديرا على المسرح الوطني ليكون الرقم 15 في تاريخ التادول المغلق على قلعة السكوار ،كما يتداول السياسيون في حلقتهم المفرغة على كرسي المرادية، وهاهو صديقه /الشاغيف / زياني يخرج من باب المسرح الخلفي بعدما جاء هاربا من روماتيزم الشمال ، وعين مديرا لنفس المسرح ، لكنه فضل ان يكون ربا يونانيا يامر وينهى ولااحد يشاركه في هذه الربوبية الا انانيته المفرطة في الضحالة .
رحل /الشاغيف / اذا ، دون ان يحاسب ،ودون ان يطلب منه احد فاتورة الحساب، دار عمي موح اشرب وروح ، وقد كان وعد في ضجة اعلامية غير مسبوقة، باعادة الجمهور الى المسرح ، ولكن بشهادة صاحبه ورفيق دربه فان هذا الاخير، لم يجد شيئا يذكربعد ان استوي على عرش السكوار : هرب الممثلون ، هرب العاملون ، وربما هربت الكراسي ايضا ولم ينتبه اليها السيد/ البنقطاف / العائد من الخارج. فكيف يأتي الجمهور الى الخشبة والوضع الكارثي للمسرح الوطني اصبح لايطاق .؟
يحدث كل هذا ، ومؤسساتنا الموقرة مشغولة طيلة عام كامل بارسال الوفود الفلكلورية للترفيه السخافوي عن الفرانساويين ..انه الخراب الثقافي/السخافي ..فبدل ان ننفق الاموال الطائلة فيما يفيد ويقدم الافضل في المجال الثقافي رحنا نبعثر المال العام في مكان اهله اعلم بانفسنا منا ولكن ستكون النتيجة وخيمة والحصاد مرا ، وهاهي احدى القلاع /المسرح / تسارع الى اعلان الافلاس المبكر قبل انتهاء العام ،على لسان المدير الجديد الذي لم يجد العروض الجاهزة ليغسل بها ماء الوجه قبالة السلطات العمومية التي جاءت به، وثبتته كما ثبت زورا وبهتانا خاتم معاوية ، ولم يجد النصوص ، ولم يجد الممثلين ، والعاملين ، فماذا بقي بربكم في المسرح الوطني ،غير الجرذان ، بعد سنوات من الترميم والتبليط والتزفيت والتزويق والتمقريط ؟ الاتوجد هيئة وطنية لها صلاحية محاسبة / الشاغيف/المدير السابق الذي تأله ووعد بالكثير من اجل عودة الجمهور الى المسرح ، لكنه مرمد المسرح الوطني وخربه ولم يترك فيه شيئا يصلح لخلفه البنقطاف ؟ انها مهزلة العام السخافي الجزائري في /باغيس/ .. فاذا كان حال المسرح قد انكشف بسرعة البرق ، فكيف حال السينما ، والادب ؟ لن نتعجل ستنكشف كل الاوراق تباعا وان غدا لناظره قريب ..
الاشكاليات ...القاتلة .
نقطة جوهرية طرحها البنقطاف وهو محق فيها، هي ندرة النصوص المسرحية المكتوبة للمسرح خاصة من طرف مؤلفين حياديين ان صحت العبارة أي بعيدين عن المسرح ، وذلك للخروج من السياسة العقيمة المتبعة منذ الاستقلال: زيتنا في دقيقنا التي انتهى بها المطاف الى انتاج ردىء لايعمر طويلا ، ولايجد من يستهلكه من الجمهور الباحث عن الجديد الممتع والمفيد ، لانه بكل بساطة منتوج فاسد وبيرمي .. ويقر البنقطاف ان سبب هذه الازمة ترجع الى انانية المشتغلين في مجال الابداع الثقافي والى انعدام التواصل بين كتاب النصوص المسرحية والمسرحيين انفسهم وهذا ماولد هذه القطيعة التي انعكست سلبا على المسرح ..واذا كنا ههنا نثمن هذه الفكرة ، فاننا نعود الى زمن قريب مضى حيث كانت الاصوات ترتفع على المنابر الاعلامية : منها من ينادي باللغة الفصحي للمسرح ومنهم من ينادي بالدارجة ومنهم من ينادي باللغة الثالثة ومنهم من ينادي بالفرانساوية ومنهم من ينادي بالامازيغية ، وهي اشكالية مغلوطة كما بقية الاشكاليات المطروحة للنقاش في الساحة الثقافية.. هاهي نتيجة التنظيرالخرف بعد سنوات الخراب السخافي .. جاء البنقطاف نجم المسرح العام والخاص ولم يجد نصوصا صالحة للمسرح الوطني : لابالفصحى ولا بالدارجة ولا بالفرانساوية ولا بالامازيغية التي دسترها بكل تاغنانت رئيس الجمهورية..نحن اليوم في مازق تراجيدي خطيروهو :ان نكون او لانكون .. نحن نواجه العولمة بصدور عارية وبدون دروع او واقيات لسموم الاسواق العابرة للقارات والعقول والمخادع .وليتنا فسحنا المجال للكاتبين بالفصحى و العامية و الفرانساوية و الامازيغية ليبدعوا ويقدموا منتوجهم الخام للمسرحيين ليعرضوه على الخشبة والجمهور هو الحكم ،بل السوق هو الحكم ، انه زمن السوق المفتوح الذي فض بكارة آخرالايديولوجيات على سور برلين العظيم وعلى المباشر.. وسوقنا اليوم مفتوح للجميع وياحبذا لو كانت مسارحنا تقدم ولو شيئا قليلا بهذه اللغات كلها،المهم ان يكون ممتعا ومفيدا وفيه شيء من رائحة وتوابل الوطن ، بدل حالة الركود والتحجر والموت المبكر ، ماذا جنينا من خراب بعد طرح الاشكاليات المتعصبة القاتلة ؟ قتلنا المبدعين وقتلنا الممثلين وقتلنا المسرح وقتلنا عنصرا فعالا يساهم في اثراء ثقافتنا الوطنية ..لقد قتلنا الانسان ايها السادة، ياللمأساة ..سوناطراك و سخافة البطرول .. على سوناطراك راني نسال .. لتكن صرخة كل المبدعين الدولة تخصص ميزانيات ضخمة لتسمين الارجل الرياضية، وتخصص اصفارا مضاعفة للثقافة او السخافة لايهم .و سوناطراك وما ادراك ما سوناطراك الممول الرئيسي لخزينة الدولة ، وفي تصريح لاحد مسؤوليها مؤخرا، كشف فيه انها تضخ المليارات لتسمين الارجل ايضا لتطور كرة القدم التي لاتريد التطور، وتصرف بعض الاصفار على مايسمى مجازا تقافة او سخافة لايهم . مايهم كيف تصر شركة مثل سوناطراك ذات السمعة العالمية على صرف هذه المليارات على تسمين ارجل هذه الاندية العقيمة ، والتي اثبتت فشلها كذا مرة ؟ اني لاعجب كيف يواصل مسؤولو هذه الشركة العملاقة تسييرهم للاموال العمومية بهذا التسيب غير المسؤول ؟ كيف لايحولون جزءا محترما من رعايتهم الى العقول والمادة الرمادية ،كيف لايخصصون جوائز قيمة للمبدعين والباحثين والمخترعين ؟ لماذا لايخصصون منحا للمفكرين والباحثين والمخترعين ليتفرغوا لانجاز اعمالهم مثلما هو معمول به في دول العالم التي تحترم نفسها وتقدر انسانها وتتوسم فيه مستقبلها الخير والمشرق ؟ لماذا يدير مسؤولوسوناطراك ظهورهم للعقول النيرة ويظلون يلهثون وراء الارجل المفلسة التي خيبت كل الامال ؟ واذا كان هذا شأن داخلي لشركتنا العالمية، فاني اعجب ،لماذا لايطالب مثقفونا ومبدعونا بهذا الحق ؟ لماذا لايتكتلون ويتوحدون ويضغطون بكل الوسائل السلمية لأخذ حقهم بأنفسهم معززين مكرمين ؟ ان هذا السلوك البالي وغير الاقتصادي الذي تنتهجه سوناطراك في الرعاية متكىء على ايديولوجية الريع التعيسة التي اهدرت الاموال الطائلة على قطاعات اتكاليةغير فاعلة، فان هي تفطنت ، فذاك مانبتغيه ، وان هي غضت الطرف ودفنت رأسها في رمال حاسي مسعود وحاسي الرمل فاننا نقول لمسيريها : صح النوم ايها السادة الكرام .. عن صناعة الثقافةعندما يشعر كل مبدع في أي مجال ان مايكتبه له قيمة ويعود عليه بالنفع سيتحفز ويطور نفسه ، ويطور اكثر ابداعه ،وحين يجد الابداع سوقا له فان جمهور المستهلكين هم اول من يرفع او يخفض بورصة المبدعين ويكشف حتماالمبدعين الخلاقين والمبدعين المزيفين ..أعرف ان هذه الفلسفة البراغماتية غير واردة في حقلنا السخافي المتسيب الهش، الخاضع للاهواء والنزوات ..ولكن يجب ان نبشر بها مهما كان الثمن ..وحتى يتشكل هذا الوعي الاقتصادي للجماليات ، لابد من مرحلة تحسيس للمشتغلين في الحقل الابداعي ليرتقوا بانفسهم وافكارهم من السخافة الى الثقافة الفاعلة ، أي يتخلصوا من نرجسيتهم ويطرحوا الاسئلة الجوهرية : ماذا نبدع ؟ وكيف نبدع ؟ ولمن نبدع ؟ هذه الاسئلة تحدد معالم الطريق الطويل والشاق وتختصر مسافة التيه والضياع في قفارالعبث والطيش ..وبكل صراحة يجب ان يتخلى المبدعون/ المنتجون/ عن التجريدات والتهويمات ليحلوا مشكلتهم الروتينية المؤرقة لماذا نبدع ؟ فليكن كل مبدع تتوقد فيه شعلة الابداع ، مؤسسة منتجة قائمة بذاتها.فيسأل نفسه السؤال الاقتصادي الواضح : ماذا انتج؟ وكيف انتج ؟ ولمن انتج ؟ فهو هنا سيحدد مجال الانتاج عن قناعة لانه يملك خبرة فيه وله دراية ومعرفة ، ولهذا فهو يعرف مايفعل . ويستطيع ان يسيطر على منتوجه ويخرجه في الشكل الذي يريد وحسب مواصفات معينة،وحسب ماهو مطلوب ومرغوب من طرف الزبائن المستهلكين ، الذين يكون على دراية بهم مسبقا وبنفسياتهم وسلوكهم الاستهلاكي .. اننا في حاجة ماسة اليوم الى منتجي القصص العاطفية ، ومنتجي القصص التاريخية ، ومنتجي الخيال العلمي التي تراعي قيمنا وهذا يعني اننا في حاجة الى ادب جماهيري في طبعات شعبية تصل المستهلك الحاصل على نسبة من التعليم حيثما كان و باسعار مغرية ..نحن في حاجة الى من يلبي الشهوة الاستهلاكية لاطفالنا : قصص مصورة ، افلام كارتون ، اناشيد ، مسرحيات ، عرائس القاراقوز . نحن في حاجة الى من يكتب سيناريوهات لانتاج افلام ومسلسلات كوميدية ودرامية للصغار والكبار .. نحن في حاجة الى من ينتج الحانا جميلة تربي ذوق الصغار حتى يكبروا ؟ ان كل فن او منتوج ابداعي يحتاج الى دورة مثل المنتوج الصناعي تماما ، وقد يكتفي بنفسه ، وقد يصبح مادة تحويلية يعاد تركيبها وتعليبها في شكل جديد حسب الفن الجديد الذي استعارها ..وهاهي تكنولوجياالملتمديا قربت لاول مرة في تاريخ الحضارة البشرية بين الكتابة والصورة والصوت وآخت بين الفنون كلها وخلقت نموذج العصر ..ان مناخ عصرنا الملائم للخلق والابداع، يتطلب تواصل المبدعين فيما بينهم ، وتكامل اعمالهم للحصول على منتوج جيد له قيمة معنوية مثلما له قيمة مادية ..اننا اليوم مطالبون للخروج من كهوف غفلتنا الى عالم الابداع الحقيقي عالم الصناعة الثقافية، الذي يثمن الاعمال الفنية الخالصة ويجد لها سبلا متطروة لتسويقها داخليا وخارجيا ، ولهذا فان المبدع /المنتج / الصانع/ الذي يجب ان يعي جيدا الدورة الاستهلاكية لابداعه/منتوجه عليه ايضا ان يفهم انه لاينتج في جزيرة معزولة وانما مطالب بالتكامل مع الاخرين ليحقق الاهداف المرجوة ..والقضية الجوهرية المطروحة اليوم امام الوعي الجزائري هي: كيف نفكر في المشروع الثقافي الهادف وفق سياسة ثقافية واضحة المعالم جذورها في عمق الطاسيلي وفروعها في فضاء كل القارات مع تحديد الوسائل وتجنيد الطاقات المبدعة؟ والحقيقة ان هذا الطموح المشروع يتطلب اعادة النظر في دورالوزارة الوصية و المؤسسات الثقافية القائمة والمشرفين عليها والتمويل المخصص لها،واذا كانت رموزالسلطة المتعاقبة قد استهلكت مشروعها الفاشل في اربعين سنة ، الا يحق اليوم ان يبادر المثقفون الفاعلون انفسهم بطرح مشاريع مختلفة عن تلك المشاريع المألوفة لتحديد استراتيجية ثقافية قادرة على توفير مناخ الابداع والصناعة الثقافية ، التي اصبحت صناعة العصر ؟

إرسال تعليق