ليصمت الساسة .. وليتكلم المثقفون ..
" ايها السلم تجل ..
"عمر اورتيلان
عشرية كاملة من الحرب الاهلية ،عشرية كاملة من الخراب والدمار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، عشرية كاملة ارتفع فيها صوت الغريزة وخفت صوت العقل ، بين صليل السيوف ودوي المدافع وطلقات المحشوشة .. وتصفية العقول ، وتقتيل الابرياء ، وسلب الضعفاء وابتزاز المرفهين والتنكيل بالشرفاء ..هذه الحرب اعلنها السياسيون للاسف ولم يتحملوا نتائجها ..لاأحد اعترف بالخطا / الخطيئة ، فمن تراه يمنح الصفح والمغفرة ؟والمهم، بعد كل هذا الذي حدث استطعنا ان نعود الى رشدنا ، ونقدر ابتهالات ضمير عمر اورتيلان ذات زمن : ايها السلم تجل ..لأن الرابح المزعوم في هذه الحرب القذرة مهزوم .. لهذا السبب لن يستطيع السياسيون الذين اشعلوا فتيل الفتنة ان يقنعوا الشعب بسلمهم الموعود.. لن تكفي جولات السيد رئيس الجمهورية في انحاء الوطن شارحا ومفسرا تفاصيل هذا المشروع ، ولن يكفي شراح الحواشي من(الحواريين) ومن تبعهم من بقية احزاب الاسناد التلقائي لشرح ما تبقى غامضا من هوامش الخطاب ؟ان المصالحة الشعبية المنشودة ليست ميثاقا يكتب من طرف الساسة ليحفظ توازنات السرايا ، فتقام له الاعراس الفولكلورية وطقوس الدجل السياسي ، انما يبلور ميثاق المصالحة الفعالة، لحفظ توازنات الامة، المثقفون الفعالون ،مهندسوالعقل والوعي ، ويلتزم بتطبيقه الشعب وتزكيه السلطة وتشرف على تطبيقه وهذا الحلم الجميل للاسف لن تكون غدا لن يصلح العمارة الا المهندس ،ولن يصلح عطب السيارة الا الميكانيكي ،ولن يزرع الحقل الا الفلاح ، ولن يصلح ما افسده الساسه الا المثقف ، ولو كره السياسيون .ان المصالحة العرجاء التي تطرح اليوم ، بشكلها المنقوص، والمختل ، قد تكون خطوة نحو الانفراج والمصالحة ، وليست كل المصالحة الحقيقية المنشودة ..لأن المصالحة الحقيقية لن يصنعها الوزراء الغائبون، والنواب النائمون، والعمال المسرحون والفلاحون المستريحون ، والطلبة البطالون وغيرهم ، و لن تصنعها سذاجة الجماهير المصفقة التي تساق مئات الكيلومترات كالدواب الى تجمعات الرئيس ، في جو بسيكولوجيي بئيس ، فتهان وتبهدل طيلة اليوم ، ثم تعود الى زرائبها تعبى لتغط في سبات عميق . اليوم وفي ظل التبشير بسياسة مصالحة التوازنات ،هل بامكان السلطة ان تتنازل عن عرش كبريائها ونرجسيتها وتشرك المثقفين الذين دفعوا الثمن غاليا في ظل الحرب القذرة المفروضة ، من اجل صنع ميثاق السلم الحقيقي .؟ .سنذهب طوعا اوكرها الى السلم ،لان السلم قاعدة من اجل البناء والاعمار والرخاء والحرب استثناء ، للدمار والخراب والفوضى . ولا احد يحب الحرب ، الا تجار الازمات الذين يسمسرون فيها لحسابهم الخاص ، وهم استثناء لحسن الحظ ..ما اسهل الحرب وما أصعب السلم ..! لان الحرب لعبة معتوهين .. والسلم جهد العقلاء .. ان السلم الحقيقي لن يكون في الغد القريب ، ولن يكون بجرة قلم ، او قرار سياسي ، او خطاب حماسي او انتخابات نزيهة ، منتفخة صناديقها بأصوات التأييد ، انه ليس مثل الحرب تندلع فجأة ، وتقضي على كل شيء في ظرف قياسي ، ان السلم ينمو وينتشر ببط السلحفاة ، يحتاج قبل كل شيء الى فاعلين، خبراء العقول ليستصلحوا حقول الوعي الفردية والجمعية ثم يحرثوها ويعيدوا قلب طبقاتها ، ليزرعوا بذورا جديدة بديلة ، وهم بالتالي يحتاجون الى مفعول بهم / الشعب / ليتقبلوا فعل الفاعل .. ثم يأتي دور السلطة لتقوم بواجبها المضاف اليها ، وهذه العملية لا تحتاج الى فصل واحد او عهدة رئاسية اوعشرية بل الى جيل بأكمله ، فنحن اذا امام عمل صعب وجبار ويحتاج الى الارادة والصبر والمثابرة ..وقليل من الثرثرة السياسية ..انه مشروع ثورة ثقافية شاملة ..تغير الاذهان والسلوكات والعادات ..فعلينا ان نعيد بناء المشروع من القاعدة الى القمة حتى يكون ناجحا ..
ان المصالحة الحقيقية تمارس في الواقع وتعني كل مواطن مهما كان سنه وجنسه و انتماؤه ، ولن تعطي ثمارها حتى يقوم المثقفون جماعات وليس فرادى ، بواجبهم ، فينزعون فتيل الافكار القاتلة مثل : الاحادية ،التعصب ، التطرف ،التشدد ، التهديد ، القتل ،الترهيب ، الاستباحة ، العنف ، الانتقام ، والتكفير فيهيؤون التربة ويزرعون الافكار الجديدة ويطرحون قيما بديلة مثل : التعدد ، الحب ، التآلف ، التسامح ، الاختلاف ، العفو ، الحلم ، التآخي . الترغيب ..وبعض هذه القيم لابد لها من الرعاية والاهتمام حتى لايقتلها الصقيع ..والبعض الاخر يأكلها دود الارض ، فتحتاج الى من يزرعها من جديد ويسقيهاويرعاها حتى تنمو وتزدهر وتعطي ثمارا .. جيل جديد منسجم مع نفسه ومع غيره ..
نشرت بجريدة الخبر الجزائرية

إرسال تعليق