تصفح
     

السبت، 21 أبريل 2007

معرض الكتاب الدولي وعقل الجزائري المهدور ..

في العام الماضي زرت معرض  الكتاب الدولي بالعاصمة وكنت متشوقا لاقتناء الجديد من ثمار المطابع في زمن الانترنت والفضائيات  . وبعد أن عرجت على الاجنحة المختلفة أصبت باحباط مقرف ، معظم الاجنحة تروج لنوع معين من الثقافة الدينية النقلية الاتباعية الاخروية  ، والناس يتهافتون عليها رغم أن مستوردينا لم يتوقفوا عن استيرادها طول العام .. لم أجد الجديد الذي تبحث عنه نفسي الراغبة في قراءة الجديد ، وخرجت من المعرض حزينا يغمرني شىء من الفرح بعد أن  تأبطت كتابا وحيدا لا ثاني ولا ثالث له ، وهو كتاب الانسان المهدور للدكتور مصطفى حجازي .وبئس الهدر الذي نتعرض له يوميا في حياتنا الثقافية والاجتماعية والسياسية ..تذكرت هذه الحادثة بعد أن قرأت أن معرض هذا العام مازال يسير على وتيرة وحيدة بدون خطط واضحة المعالم ، وأن محوره الكتابة والتحرر ارتبطت باحتفال الجزائر بعيد الثورة ، ومعنى هذا أننا مازلنا نتبع الاساليب الديماغوجية في حياتنا الثقافية وتظاهراتنا الكبرى ذات الطابع العالمي .. كان الاجدر – بدل تخصيص ندوة عن نجيب محفوظ - أن نبادر الى اعادة طبع أعماله محليا مثلما فعلت المؤسسة المشرفة على المعرض مع أعما ل أمين معلوف في السنوات الاخيرة .. للأسف عندما مات محفوظ وأردنا اعادة قراءة تراثه من جديد لم نجده للأسف بين أيدينا .. نسخ المكتبات العامة تبخرت ، والسبرمكتبات الحديثة ، لاتتسع رفوفها الا لكتب الحبة السوداء وصفة صلاةالنبي والحجامة وتحفة العروس ..كان الافضل أن يخصص المشرفون على المعرض ندوة لذاكرة الطاهر وطار او زعيم غرمول ، أو أمير واسيني ، او ضباب شوار أو بارون شكيرو او غبار فني او رعشة الزاوي ..أو واحد من هؤلاء الذين فازوا بجائزة مالك حداد ..وحسب مسؤول الاعلام بوزارة الشؤون الدينية فان اتجاه المعروضات من الكتب سيكون ستين بالمائة من كتب دينية أخروية اتباعية ،وهي في العادة  تهتم بفقه  الوضوء ، وزواج الجن ، وانواع السحر والرقية ، وهي نفسها الكتب التي تملأ رفوف المكتبات في كل مدننا الكبيرة والصغيرة وتبيع معها العطور والمسك ، والسواك والكحل ، والمفتقة ، والزنجبيل والمقويات الجنسية الاسلامية والزي الشرعي ..ولسنا ندري بأي سجل تجاري تفتح هذه السوبرمكتبات العجيبة ..كما لسنا ندري لماذا يصر المسؤولون المتعاقبون على المعرض الدولي على اتباع هذه البدعة ، منذ بدايات المعرض في زمن الرئيس الشاذلي بن جديد الى يومنا هذا .لماذا لانخطط لاستراتيجية بديلة ، تشرف البلد وتخرجه من ظلمات الفكر المتزمت الاحادي التقديسي الاتباعي ، الى رحاب الفكر العلمي النقدي والثقافة الانسانية . سأكون مجحفا اذا كنت ضد هذا التوجه الثقافي الكلاسيكي ،لأن أصحابه لهم الحق في اشباع  رغباتهم  ، لكني أرفض أن يفرض علينا هذا التوجه بالقوة تحت اي شعار او ذريعة ، وما أتمناه أن يكون هناك انصاف لفتح مجال للمعرفة الانسانية لتهوية غرف عقولنا من فساء السلف الذي لن يكون صالحا دائما وأبدا .. والا سنختنق بكربون المعرفة الاتباعية المهلكة .ان تجارة الكتاب الاسلامي اصبحت رائجة في الجزائر ومربحة لبعض السماسرة ، لأن هذا الكتاب أصبح عبارة عن كاتالوج للبضاعة الحقيقة ، للحبة السوداء الشافية لكل الامراض وعسل النحل الذي يداوي كل الجراح ، وعود الارك المطهر للفم من كل الروائح  ، والزنجبيل المقوي للنفس .. ان معرضنا الدولي للكتاب أصبح أكبر مؤشر علىهذا التوجه والناشرون أصبحوا يعرفون هذا جيدا ولذلك يتهافت عليه ناشرون معينون ، بينما لايغامر بعضهم بالمجىء الى الجزائر ، لأنهم سيعودون بخفي حنين كما يقال .و هناك بعض ناشري الكتب العلمية الجادة  صاروا يحتقرون القارىء الجزائري لأنه غير عقلاني وغير متنور ، بسبب تهافته علىالكتب الصفراء التي سلبته عقله ووعيه ، فلم يعد يرى غيرالسراب  .لا أريد أن أنصب نفسي شرطيا أوجمركيا أو موظفا بيروقراطيا في وزارة  السيد غلام الله أو في وزارة السيدة خليدة تومي ، لأقرر ان كان هذا الكتاب يستحق أن يدخل معرض الجزائر أو لا يدخل ، لأمنع هذه الموجة من الزحف على جيوب وعقول القراء الجزائريين  .. ربما هذه عفسة قديمة وبليدة الان في زمن التواصل الالكتروني  ، وانما أتمنى من مسؤولينا أن يوازنوا فقط في توجه طبعات المعرض القادمة بين الكتب الدنيوية والاخروية .وبالمناسبة نناشد الوزاة الوصية باصدار مرسوم وزاري يكرس تقليدا معرفيا جميلا يجبر كل بلدية وكل ولاية وكل شركة محترمة ، على شراء كل سنة كمية من الكتب من المعرض الدولي وتوزعها على المكتبات العامة ومكتبات المدارس ، وتوزع بعضها على المثقفين والمتعلمين الراغبين في القراءة مجانا . والحقيقة أن معظم المثقفين والمتعلمين الجزائريين الذين يحبون القراءة أصبحوا لايستطيعون شراء الكتب لظروفهم الاجتماعية القاسية والواجب علينا أن نساعدهم ، واذا كانت القوائم ترسل مسبقاالى القائمين على المعرض والمعنيين ، فالاحسن أن تكون هذه القوائم في متناول جميع المواطنين المتعلمين والمثقفين عن طريق الاعلام اوالانترنيت وهكذا يختار كل مهتم ما يحتاجه من زاد المعرفة وفي كل المجالات ،وفي أي مكان في الجزائر المترامية الاطراف  وتستطيع كل دار نشر أن تدخل الجزائر دون خوف أو تردد لأنهاتعرف قارئها مسبقا فتقدم لنا الكتاب المفيد وتعود بأرباحها التي تستحقها ..  واذا عجزت الوزارة عن هذاالفعل الثقافي الجميل فاننا نناشد الرئاسة بالتدخل العاجل لصالح المتعلمين والقراء الجزائريين  ، ونطالب بوزارة للتضامن الثقافي كما هي وزارة السيد ولد عباس للتضامن الاجتماعي ..ياللعجب بلديات تنفق الملاين على قفة رمضان , ومثلها على ثقافة الترفيه، وتمتنع عن شراء الكتب للقراء مرة واحدة في السنة .. تنفق مائةالف دينار على مطرب كباريهات يصيح ربع ساعة ، فتبح حنجرته ، وتعجز عن شراء كمية من الكتب بنصف المبلغ ، توزعها على محبي القراءة .هذا بلد مخبول ، يستحيل العيش فيه لعاقل .. -ان المعرض الدولي للكتاب اذا لم يستطع أن يستضيف شخصية ثقافية عربية وعالمية لها وزن فهو معرض باطل .- واذا لم يستطع أن يحفل بكاتب جزائري ويعرف بانتاجه الفكري والادبي خارج الوطن فهو باطل.- واذا لم يستطع أن يحتفل بمائة سنة على ميلا المفكر الجزائري مالك بن نبي فهو معرض باطل . - واذا لم يستضف محمد أركون في أحدى طبعاته قبل وفاته ، فلن نقبل أن يعلق عرجونه كما علق عرجون محمد ديب في السنوات الماضية وهو باطل . - واذا لم تكن هناك صفقات لشراء حقوق اعادة طبع كتب ببلادنا او بيع حقوق كتاب جزائريين الى دور نشر أخرى فهو معرض باطل .- واذا لم تكن هناك شراكة بين دور النشر الجزائرية والعربية ، او الجزائرية والاجنبية كما هي الشراكة بين ليبيا وتونس ، ومصر ولبنان ولبنان والمغرب فهو معرض باطل .نأمل أن يفكر أصحاب الشأن في استراتيجية حقيقية ليتحول معرض الكتاب من مجرد طقوس روتينية الى فعل ثقافي حقيقي ، ونافذة يجدد الجزائريون هواءهم الثقافي كل سنة ، ويجعلوه نقطة تقارب بين أشقائهم ، وتلاقي مع أصدقائهم ومعرفة بالاخر . لقد حان الوقت ،لنضع جميعا حدا لهدر المال العام ، وهدر عقل الانسان الجزائري .


نشرت بجريدة الخبر

0 التعليقات:

المتابعون

زوارنا من

اشترك في القائمة البريدية

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

زوار المدونة بلغ عددهم ومن



free counters PageRank

جميع الحقوق محفوظة مدونة افكار ضد الرصاص

قالب ديسكاس تعريب وتطوير مكتبة خالدية | أعلى الصفحة