رائحة سيد الخراب في "جملكية آرابيا": هل اعتدى واسني الأعرج على رواية كمال قرور؟
منذ أزيد من شهر ونصف تم الإعلان عن نص جديد للروائي الجزائري وأستاذ السوربون الدكتور واسيني الأعرج، الرواية تحمل عنوان "جملكية آرابيا" ستصدر عن دار الجمل ببيروت شهر نوفمبر المقبل، كما تداولت بعض المواقع الإلكترونية العربية الفصل الأول منها. من خلال ما ورد في تقديم الرواية والفصل المنشور منها يتضح أن واسيني الأعرج قرر التفاعل مع الأحداث الطارئة على العالم العربي. حتى وإن اختلفت التسميات بين الربيع العربي أو الثورات العربية، صاحب "سيدة المقام" و"البيت الأندلسي" قرر الالتحاق ولو متأخرا بركبها، خاصة بعد الانتقادات التي تلقاها مع بداية اشتعال الفوضى في ليبيا بسبب تعاملاته السابقة مع نظام العقيد الليبي، حيث أعادت إحدى الصحف الوطنية نشر مقال سابق له يتناول من خلاله ما يسمى "أدب القذافي". هذا الالتحاق دشنه برواية تتخذ من سقوط الأنظمة العربية موضوعا لها.
بعد أن فاته سبق الموضوع اختار اقتفاء أثر من سبقه، ففي انتظار خروج الرواية كاملة للقراء وعرضها على النقاد، ما نشر منها يجعل القارئ يشتمّ رائحة رواية أخرى "سيد الخراب" أو "جمهورية الخراب" لكمال قرور وأيضا مسرحية محمد بن شيكو الصادرة شهر مارس الماضي بباريس والتي تحمل عنوان "الليلة الأخيرة للدكتاتور". التقاطع بين هذه الأعمال لم يتوقف عند حدود العنوان، خاصة وأن هناك اتهامات سابقة في حق صاحب "جملكية آرابيا" بالسطو على عناوين غيره، لدرجة جعلت الراحل الطاهر وطار ينعته بـ"لص العناوين".
مقدمة "جملكية آرابيا" التي تحمل عنوان "مقام الليالي" تحيل من سبق له الغوص في "سيد الخراب" إلى أجواء "جمهورية الخراب"، حيث نجد "سيدنا ومولانا الحاكم بأمره" والرّاوي والقوّال.
"... كل شيء بدأ بكتاب، وانتهى بكتاب؟"، فكما اتخذ صاحب سيد الخراب من كتاب "جمهورية الخراب" لشخصية ابن خشد الخرافية في مقابلة لجمهورية أفلاطون الفاضلة، تعمّد واسيني الخلط بين "أمير" ميكيافيللي ومقدمة بن خلدون وهي المقدمة التي استند عليها كمال قرور في التمهيد لجمهورية الخراب.
الاعتداء بدأ من "الجملوكيات العربية"
"ليلة الليالي" من "جملكية آرابيا" تقحم القارئ في ليلة اختلاء سيدنا بنطفة في جمهورية الخراب، فالقارئ يشعر بأنه لم يفارق بعد رواية كمال قرور، وكذلك تحيله على مسرحية بن شيكو التي تروي حكاية الليلة الأخيرة من حاكم عربي، مع الإشارة إلى سبق محمد بن شيكو في عبارة "الجملوكيات العربية" من خلال مقالات سابقة له منذ مدة.
لم يكتف واسيني باستحضار الموروث الشعبي والتراث العربي بل أصرّ في الفصل الأول من روايته على محاكاة "جمهورية الخراب" و"الليلة الأخيرة لحاكم عربي"، وكأنه يعيد هذين العملين كما يعيد المطرب الأغاني القديمة لسابقيه.
"سيد الخراب" أو "جمهورية الخراب" وهو العنوان الأصلي لرواية قرور الذي تنازل عنه في حينه، لأن جرأته خذلته، هي رواية "نبوءة" تشخص حال شعوب المنطقة العربية وتوغل في وصف "خراب" جمهورياتهم، الذي تستبدله بخراب آخر، الرواية نشرت في 2010 ولم تلاق انتشارا واسعا بحيث لم يتعد طبعها الألف نسخة ولم تجاوز حدود أرض الوطن، هي بمعايير ظروف صدورها أكثر من جريئة، تشعر القارئ مهما كانت جنسيته العربية بأنها تعري وتفضح ما يجري في الجمهورية أو المملكة التي يعيش فيها.
عدم انتشار رواية قرور بسبب طريقة نشرها المتواضعة وعدم انتباه النقاد لها أو إهمالهم لها عمدا بسبب تحفظات تتعلق بشكل الرواية ولغتها البسيطة، كذلك مسرحية بن تشيكو الصادرة في باريس باللغة الفرنسية والتي أعلن مؤخرا أنه ينتظر تجسيدها على الركح من طرف الممثل سيد أحمد أڤومي، هو عامل ربما أغرى واسيني بالعودة لتناول الفكرة بأسلوبه الأنيق مستغلا نطاق نشره الواسع كونه أضحى يحتكر تمثيل الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية في المشرق العربي. دون أن ننسى أن الفرصة مناسبة له للظهور بمظهر المتخندق مع الشعوب ضد أنظمتها.
المتأمل بدقة للفصل المنشور من الرواية يستوقفه المقطع: "... وتتلوى في عمق المدفأة الألمانية. عندما رأت الكتالوغ الخاص بالمدافئ الجديدة، للمرة الأولى، قالت للخادم بلا أدنى تردد: أريد هذه، لأن لا شيء يقاوم المحارق الألمانية."، الذي يجعله يفهم بأن واسيني بدأ يستشعر طريقا آخر لتسليط مزيد من الأضواء عليه، فحديثه عن "المحارق الألمانية" يعتبر رسالة حسن نية موجهة إلى اللوبي المسيطر على المشهد الثقافي والأدبي الفرنسي، فالمعروف عنه ولعه الشديد بالتكريمات والجوائز حتى وإن جاء هذا التكريم من لدن "جثة هامدة" تتناهشها النسور والضباع كاتحاد الكتاب الجزائريين في شكله وبنيته الحاليين.
واسيني فوق النقد
بالنسبة لأغلب الروائيين والنقاد، الدكتور واسيني الأعرج فوق النقد وهو الأمر نفسه بالنسبة له، فرحيل صاحب "اللاز" و"الزنجية والضابط" فتح أمامه الطريق واسعا للتربع على عرش المشهد الأدبي الجزائري، وكذلك قطع الطريق أمام الجيل الجديد من الروائيين، فالمستطلع لما يدور بينهم يحس ويتلمس انتقاداتهم اللاذعة، والتي لا تخلو من اتهامهم له بالوقوف سدا منيعا أمام حضورهم بالمشهد الأدبي العربي المشرقي. هذه الانتقادات بطبيعة الحال لا يتم المجاهرة بها بسبب لخوف من بطشه وسطوته عليهم نتيجة لعلاقاته القوية والمتشابكة هنا وهناك، أو طمعا في إشادة أو تزكية منه تكون لهم جسرا ومفتاحا لولوج المشهد الأدبي العربي وهو أمر مستبعد الحدوث.
لا يوجد خلاف حول غزارة إنتاج الدكتور واسيني الأعرج وأسلوبه الممتع، فهو يتذوق اللغة ويذيقها القارئ، لكن متانة اللغة وترفها وجودة الأسلوب كلها لا تكفي للتغطية على خواء العمل، ففي النهاية ومع مرور الوقت سيفارق القارئ المذاق الزائف لتنكشف أمامه سطحية الأفكار والمواضيع المستهلكة، فهذا ما يميز الأعمال السباقة والرائدة الخالدة عند القارئ عن تلك المستعجلة والمستنسخة لغرض مناسباتي.
أطماع واسيني
خرجة الدكتور واسيني الأعرج المفاجئة المماثلة للبروز فجأة من قصب المستنقعات لم تتوقف عند روايته مرتقبة الصدور، بل تعدتها إلى حديث إذاعي تم مؤخرا أعاد نشره على صفحته بالفيسبوك، حيث بدا شجاعا ومغوارا مستغلا خلو الساحة إلا من جيل جديد يمثل هو بحد ذاته بالنسبة إليهم عقدة يصعب تجاوزها. على كل صال وجال يشخص المشهد الثقافي الحالي الذي اختصره في ثلاثة هياكل هي في وضعها الحالي أقرب إلى الهياكل العظمية من الصروح الشامخة: اتحاد الكتاب، نقابة الناشرين وجمعية الجاحظية. تحدث عن التيار المناوئ لشقرة، وعن وضع الجاحظية بعد رحيل الطاهر وطار، لم يفته الإشارة للتطاحن حول الريع المخصص للنشر.
المتتبع الجيد للحراك المغشوش الذي يكتسح الساحة الثقافية الجزائرية، يفهم أن الخرجة الأخيرة للدكتور واسيني لم تأت في سياق مسعى جماعة عبد العالي مزغيش فحسب، حيث يتفق أغلب المتتبعين أن واسيني لن يكتفي برئاسة اتحاد الكتاب "المحنط" في الوقت الحالي، بل يطمح إلى ما هو أكبر، خاصة مع الإعلان عن إنشاء المجلس الأعلى للفنون والآداب، لكن الجميع يدرك أنه من الصعب عليه مزاحمة الفرنكوفونيين على رئاسة هذا المجلس.
كما تجدر الإشارة إلى قيامه باستعراض خرجته الأخيرة من خلال فتح نقاش على صفحته في الفيسبوك حول حديثه الإذاعي وهو النقاش الذي أراده "مبسترا"، حيث تفادى من خلاله الرد عن تساؤل يتعلق بسبب التحاقه المتأخر، وهو التساؤل نفسه الذي نختم به هذه "الخربشة" التي جاءت على هامش مشهد تغشاه حالة خطيرة من الإفلاس المعنوي والأخلاقي؟
* كاتب وباحث جزائري
إرسال تعليق