التحقت مؤخّرا بالدّاعمين لرسالة كمال قرّور لرئيس الجمهوريّة ٭؛ حول ضرورة بناء أسس للدولة المدنيّة بالجزائر، ليس لأنّي أومن بجدوى الرسائل ..ولكن لأنّي بت على يقين أنّ مخاطبة الرئيس في هذا الوقت العصيب والحرج بات من قبيل فرض العين لا فرض الكفاية. وعلى سبيل أضعف الإيمان وعلى سذاجتي السياسيّة أقول أنّ هذا المطلب لم يعد مجرّد رفاهيّة سياسيّة ببلد كالجزائر باتت تحدّه من شرقه ثورتان سبقت الأولى إلى إعطاء النموذج السلمي والوطني و التبست الثانية بشبهات الدعوة إلى التدخّل الأجنبي جرّاء ممارسات القذّافي الجنونيّة..
صار من الحتمي إذن ليس من المشروع فقط أن تلتحق الجزائر بركب الدول المدنيّة الديمقراطية؛ ليس فقط حتّى تجنّب نفسها ويلات هزّات داخليّة محتملة، ولكن لكي تنقذ كيانها كدولة مستقّلة كاملة السيادة، دولة وريثة ثورة جزائريّة يشهد لها العالم فرادتها في مواجهة المستعمر بقوّة الإيمان العميق بمطلب وحق الحريّة والعدالة والتطلّع إلى التنمية والتقدّم.
أخاطبك بدوري اليوم أيضا من موقع المواطنة العادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق …تركب حافلات نقل الطلبة وتسمع حديثهم اليومي …تنصت جيّدا لشكاوي الشيوخ والعجائز في طوابيرهم الطويلة التي تنتظر صرف معاشاتهم الهزيلة ….تستمع للشباب وهم يتململون ولا يجدون شغلاً غير معاكسة الفتيات والتذمّر من احتلالهن للمناصب وكأن أزمتهم ستحلّ باحتلال مناصب النساء…تدخل منتديات النشطين على “الفايس بوك” وتعاشر تطلّعاتهم لجزائر جديدة…
من موقع الجزائري المعجون بظروفه ومحنه بحق؛ الذي يعجز أن يؤديه رجال المخابرات ولو حرصوا …أقول لك دون “شيتة” أنّ قطاعًا كبيرا من هؤلاء الجزائريين الكادحين الطيّبين المرهقين الذين لا يشتغلون بالسياسة ولا يحلمون بهباتها يحبّونك ويربطون ـ عن سذاجة وعن وعي في آن ـ بين حضورك وحضور الأمن والأمان في بلد قهرها الإرهاب إلى أن قهرته…ولأنّهم كذلك عليك أن تثبت اليوم من موقع هذه القوّة، أنّك القادر على إنقاذ هذه الأمة من مهبّ رياح التغيير التي قد تأتي على الدبّابات الأمريكيّة إن لم تنبع من الداخل القويّ المتماسك والجريء في مواجهة تحديّات الرّاهن.
إنّه الزحف الأمريكي المقدّس سيادة الرئيس؛ الذي يركب ضعفنا ووهننا وتشرذمنا وفسادنا ليحصل على ما تبقّى من استقلالنا وخيراتنا التي لم نهنأ بها أصلا بالشكل الذي حلم به الشهداء.
واليوم إذ أضم صوتي إلى صوت المطالبين بالتأسيس لقيم الدولة المدنية بالجزائر دولة القانون والعدالة وحريّة التعبير أعرف أنّ هذا المطلب لن يكون تحقيقه باليسير أو الهيّن خاصّة مع الظروف التي تحيط بك و تحاصرك من كلّ جانب، غير أنّها اللحظة التاريخيّة الحرجة التي اختارتك عنوانا لها ولك أن تختار أن توقّعها كيفما تشاء لاسمك وتاريخك.
وحتّى وإن كانت لي بعض التحفّظات علي صيغة الرسالة التي يوجّهها كمال قرّور اليوم لك، في نقاط اختصرها في ضرورة عدم تعميم الريبة من الجيل الذي تمثلّونة من كونه حتما يحوي من النزهاء ممّن عمروا الجزائر وضمنوا إلى اليوم صمودها في وجه المكائد والمحن على علاّت وتشوّهات هذا الصمود، ذلك إني أرى أنّنا لسنا في حاجة إلى قطائع عنيفة وقاصمة بقدر ما نحن في حاجة إلى انتقال سلسل للسلطة يعطي لكلّ ذي قدر قدره، يحترم المحسن ويحاسب المسيء في سلاسة ووعي وتقدير للمسؤوليّة التاريخيّة، في شكل يجنّبنا اهتزازات وإن ستتأخّر ستحلّ بحكم الحتميّة التاريخيّة والظرف الدولي والإقليمي، وهذا طبعا لصالح الشعب الجزائري الذي اختار أن يكون حكيما هذه المرّة وينتظر تصرّف الساسة في مطالبه لأنّ هذا الشعب يعرف نفسّه جيّدا إذا ما غضب، لا يُبقِى ولا يَذَر؛ ولذلك تجده يشاور عقله ويروّض طبعه. كما أنّ هذه السلاسة في النهاية هي في صالح أرباب الفساد أنفسهم؛ الذين عليهم أن يعووا الدرس جيّدا ولا يكرّروا حماقات من سبقوهم فلينسحبوا في سلام وستر أشرف وأسلم لهم فقد دقّت ساعة الرحيل.
ثاني تحفّظ هو تقني يرتبط أساسا بصيغة الرسالة التي عليها إن أرادت أن تكون شعبويّة لا نخبويّة أن تبسّط من لغة طرحها ليفهمها المواطنون على مختلف مستوياتهم ولتكون قاعدة لبناء مجتمع يقوم على قيم جديدة أساسها الحوار المتبادل بين مختلف فئاته دون أي إقصاء أو تهميش، بعيدًا عن لغة الشعارات الكبيرة والمصطلحات المعقّدة والأحلام الواعدة التي تعوّد الشعب أنّها من قبيل ” الخورطي” الذي لا يبشّر بالكثير والذي لا يسمن ولا يغني من جوع؛ وهذا طبعا ليس طعنا في الرسالة ولكن لضرورة وواجب التقويم والتحسين.
نحن في حاجة اليوم إلى خطط وآليات عمليّة تسمح لأهداف هذه الرسالة أن تتحقّق حتّى لا تبقى ككلّ رسائل ما يسمّي بالنخبة :حبرًا على ورق أصفر سيكون حتما مصيره النسيان والإهمال إن لم يغيّر من طريقة طرحه وميكانزمات تحركّه وفعله…علينا باختصار أن نكون عمليين ولنخرط من هم أقدر على الحركة والإبداع والفعل ليقودوا هذه المرحلة التي تقتضي سرعة البديهة ويقظة الحسّ والإقدام والجرأة والذكاء وامتلاك أكثر من لغة لمخاطبة أكثر من جهة …نحتاج في النهاية إلى جيل “مُعولَم”، يجيد لغة العصر مع حرصه الكامل على هويته وأصالته.
وعلى ذكر الهويّة أنوّه إلى أنه لا بدّ لنا في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الجزائر المستقلّة وأمام مطلب الدولة المدنية؛ أن نفتح ونؤسّس لحوار كبير وجاد حول معالم الهويّة الجزائريّة، لنطرح جانبا كلّ المآسي الحضاريّة التي أستغلها السياسي لإضعافنا وإنهاكنا داخليّا ولربطنا بشكل مزمن ومقرف بصراعات وحروب هامشية وهميّة تلهينا عن حربنا الأساسيّة المصيريّة التي تقرع طبولها اليوم …حرب التطلّع إلى بناء الدولة القويّة الحرّة الأبيّة التي حلم بها الشهداء وضحّوا دونها بدمائهم…إننا نريد اليوم أن نفصل في شكل نهائي وحاسم في ما يعرف بقضية الهويّة في الجزائر؛ نريد أن نربّي جيلا يعرف أن الإسلام هو دينه الحنيف الذي يدعوه أوّلا إلى العلم فالسماحة والسلم والمثابرة والعمل والشرف والغيرة على القيم الإنسانية النبيلة المشتركة، جيلا يدرس اللغة العربيّة بشكل علمي وحيوي يجعله يتكلّم بها بطلاقة تقيه من تهمة الفرونكفونيّة التي يتشدّق بها أي جاهل للوضع الجزائري الخاص وهو يتهكّم عن لغة الجزائريين الهجينة، جيلا يتعلّم كله دون إقصاء أو تمييز أو جهويّة اللغة الأمازيغيّة كلغة وطنيّة ترتبط بأصالته وتاريخه؛ الإجراء الذي سيكفل لجزائريي الغد أن ينعتقوا من السؤال المحبّب لبدء نقاشاتهم وتعارفهم السؤال المقدّس إياه: “وأنت منين بلادك؟” ! …بهذه الطريقة وحدها سنكون كلّنا جزائريين حقّا..بشكل يستعصى على التفريق وعلى الفتنة وعلى النبش في المياه العكرة.
هي دعوة إذن إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جزائر خسرت الكثير من أبنائها وأراقت الغزير من دمائها فقط لتعيش بالكرامة التي تنبغي للجزائري الحرّ بطبعه ، والطبع يا سيّدي الرئيس يغلب التطبّع وإن غلبت دولة التطبّع إلى حين..ولأجل ذلك ندعوك للعمل من أجل تجنيب البلاد خسارات أخرى أفدح، فما دفعه الشعب الجزائري خلال كامل تاريخه الثوري التحرّري، يشهد له أنّه لا تنقصه الشجاعة ولا يعدم الطريقة لمواجهة أي تحدّى قادم أو لمحاربة أي فساد قائم، ولهذا ندعوك أن تكون سبّاقا للتجاوب وهذا المطلب الملحّ، وندعو من خلالك كلّ راع نزيه في هذه البلاد العزيزة أن يتحمّل عبء رعيّته؛ فلا حاجة لنا لإراقة دماء أخرى ودماء أخرى لم تجفّ بعد…ويكفينا ما أريق حتّى اليوم عربونا لجزائر أجمل.
حبيبة العلوي
3 مارس 2011
٭ وقد كان هذا الكاتب قد أطلق مبادرة في شكل رسالة وجّهها للرئيس عنونها “آن أوان البناء”، وهي منشورة في أكثر من موقع إلكتروني.
إرسال تعليق