تصفح
     

الثلاثاء، 12 أكتوبر 2010

عودة إلى “سيّد الخراب”: حين يتخندق الكاتب مع مشكلات مجتمعه

بقلم: أ. فارس بوحجيلة



“الكاتب مهمته مقدسة، إذا كان هذا الكاتب كاتبا ملتزما مقحما في مشكلات وطنه أولا وفي مشكلات الإنسانية على العموم. إن مهنة الكاتب تنهل من آلام المجتمع ومن آمال المجتمع ومن أحلام المجتمع. إن مهمة الكاتب تبتدئ عندما يصطدم بواقع المجتمع الذي يعيش فيه، فأحيانا تدعوه السراء وأحيانا تدفعه الضراء إلى الاتصال بهذا الواقع من أجل التأثير على عوامله الاجتماعية سواء كانت معنوية أخلاقية أو مادية أو اقتصادية، فمهمة الكاتب أمام الواقع، خصوصا إذا كان هذا الواقع يستلزم إصلاحا ما وتغييرا ما فأول ما يعنى به الكاتب بهذا الصدد هو تحليل ودراسة هذا الواقع حتى يقف عن حقيقته الجارية..”
مالك بن نبي، مهمة الكاتب، حديث صوتي مسجّل
ها أنا أعود في قراءة ثالثة إلى رواية “سيد الخراب” لكمال قرور، هذه المرة أعود إليها بعد اطلاعي على نتيجة مقابلة كرة القدم التي خسرها المنتخب الجزائري، لن أخوض في تحليل مجريات المقابلة التي لم أشاهدها ولا في اختيارات ما يسمى بالطاقم الفني….، وإنما أعود لأطرح السؤال: لماذا نتفنن دائما في إنتاج الفشل والخراب على جميع المستويات؟ ولماذا أصبح الفشل علامة مسجلة باسمنا؟ لماذا نتفوق على غيرنا في صناعة الخراب؟
رواية “سيّد الخراب”، الرواية التي أراها تحمل في طياتها بعدا حضاريا هاما، والتي لم أقرأ لحد ساعة “خربشة” هذه الأسطر ما يحاول إبراز هذه الأبعاد وكأن رسالتها لم تصل، لأن أغلب ما كتب عنها لم يتعد المستوى الأول من القراءة والإسقاط السطحيين، فالرواية كما أشرت في موضع سابق (*) لا تتناول بلدا بعينه ولا رئيسا معينا ولا حتى فترة زمنية محددة، فهي نبوءة للأتي…
الكاتب عاد من خلال مقدمة الرواية إلى مقدّمة بن خلدون وبالضبط إلى الفصل الذي يحمل عنوان: “في أن الظلم مؤذن بخراب العمران”، وهي إشارة من الكاتب إلى الأسس الفكرية التي انطلق منها في رسالته، فحالة الخراب هي تلك الحالة التي لازمت المجتمعات  المسلمة بعد سقوط دولة الموحدين وهي ما يطلق عليه المفكر الراحل مالك بن نبي “القابلية للاستعمار”، فالقابلية للاستعمار أو الاستحمار أو القابلية للركوب من قبل الغير التي ظلّ الكاتب يركّز عليها في روايته، هي حالة نفسية بالدرجة الأولى تعني الخضوع والاستسلام للحتمية التاريخية، فالحتمية التاريخية مثلها مثل الحتمية الطبيعية تفرض على المجتمعات السير في منحن يتصاعد ليستقر ثم ينزل متقهقرا في مرحلة ما بعد الحضارة وهو ما تعيشه المجتمعات المسلمة منذ قرون.
الإنسان قديما استسلم لما أسماه “الحتمية الطبيعية” والتي تقضي بأن الأجسام الملموسة تسقط من الأعلى نحو الأسفل، والغازات تصعد نحو الأعلى، كذلك الأجرام السماوية تأخذ مسارات ثابتة في السماء. فعوض أن يبحث عن تفسير استسلم للحتمية التي أقرها بنفسه، وهو نفس وضع شعوب جمهوريات الخراب التي استسلمت لقدرها الذي أقرته بنفسها هي الأخرى وتنتظر التغيير المنشود في نبوءة سيدي لخضر البوهالي… فهي التي فوتت فرصة الانخراط في التغيير بعد تحقيق جمهوريات الخراب لاستقلالها السياسي حيث كانت الفرصة مواتية لتوفر عامل مهم من عوامل التغيير الحضاري يتمثل في “الإمكان”، حيث استسلمت للسلالات الغالبة التي وعدتها بتحقيق الجنة المنشودة، وظلت في انتظار وعود التغيير..
العقل الغربي الذي واكب صعود الحضارة الغربية اهتدى إلى العلة والسبب التي تفسّر حركات الأجسام والأجرام على اختلاف وضعياتها، ووضع قانون الجاذبية الذي لم ينظر له كحتمية بل اهتدى إلى طرق التحايل عليه، فاخترع الصاروخ والطائرة والقمر الصناعي فهي مثلها مثل الأجسام الساقطة تخضع للقانون لكن بشروطها الابتدائية التي تمنعها من السقوط.
كما قدم الكاتب، الظلم لا ينتج غير الخراب وخراب الخراب وظلم السلالات الغالبة يحمل خرابه الذاتي، فنبوءة سيدي لخضر البوهالي ليست سوى الحتمية التاريخية لمصير الأنظمة الشمولية، لكن سقوط هذه الأنظمة ليس دليلا على حصول التغيير بل هو فرصة ثانية لشعوب جمهوريات الخراب للانخراط في هذا التغيير، وهو ما لم تفهمه الجموع المنتظرة أمام قصر “سيّد الخراب”، فهي دائما تنتظر التغيير القادم من الخارج وتتجاهل أن التغيير نفسي بالدرجة الأولى، فتوفر عامل “الإمكان” في غياب العامل الثاني الذي هو “الإرادة”، سيفوت الفرصة مرة أخرى لإحداث التغيير. وكما أشرت في موضع سابق فإن روح الرواية تتلخص في عبارة سيد أحمد الرفاعي: “أوصيكم لن يكون المهدي المنتظر غير الشعب نفسه”.
نهاية عصر السلالات الغالبة هي نهاية لعصر خراب وبداية لعصر خراب آخر، فالكاتب لم يشر لمصير شعوب الجمهورية بعد الخراب الذي حلّ بالخراب، فالشعوب التي لم تؤمن بأن التغيير بيدها هي ستظل قابلة للركوب ولن تفارق منحى التقهقر.
في النهاية الكاتب من خلال اتصاله بمجتمعه ومشكلاته، ونتيجة لرغبته في التأثير والتغيير من هذا الواقع حاول دراسة هذا الواقع وتحليله والتنبؤ بالآتي، مؤكدا على عامل مهم للتغيير يتمثل في “إرادة التغيير” التي تظل غائبة تماما عن مجتمعات ما بعد الحضارة.
فارس بوحجيلة

0 التعليقات:

المتابعون

زوارنا من

اشترك في القائمة البريدية

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

زوار المدونة بلغ عددهم ومن



free counters PageRank

جميع الحقوق محفوظة مدونة افكار ضد الرصاص

قالب ديسكاس تعريب وتطوير مكتبة خالدية | أعلى الصفحة