تصفح
     

الخميس، 30 أبريل 2009

( التراس ... ملحمة الفارس الذي اختفى ) لكمال قرور الفانتازيا وكسر الجمود السردي..//

بقلم : قلولي بن ساعد
يعود بناء الروائي كمال قرور في روايته ( التراس ...ملحمة الفارس الذي اختفى )1 إلى أسلوب ولغة الفانتازيا والفانتازيا كما هو معروف أسلوب في القصص الخيالي المفرط كان شائعا في عصور ما قبل الرواية والقصة معا ولما كان الكتاب المعاصرون يلجأون لشتى الوسائل والوسائط لكسر الجمود الأسلوبي الذي خيم على السرد في صوره وتمظهراته النمطية فقد رأوا أنفسهم يخلطون الواقعي بالفانتازي بالأسطوري سعيا وراء مزيد من الكشف والتطلع لعالم غير مطروق ففي رواية( التراس) يلتحم الأسطوري بالتاريخي بالفانتازي بالواقعي الآني ويمحو الروائي بأصابعه المطبقة على عذرية اللغة كل الحواجز التي تشد الحلم بالواقع وشخصياته قد تستوقف انتباه المتلقي وعقده قد تتأزم لديها عواطف الناس إلا أن تخطي الروائي لحواجز الزمن ومحدودية المكان وتجاوزه لرتابة السرد النمطي عبر تحنانه الشعري وأدائه المجازي جعل الرواية تخرج خروجا متعمدا وواضحا على الرواية ببنيتها التقليدية والمتماسكة كون روح الفانتازيا المندغمة بالإنتقاد الواقعي تتمدد في ثنايا النص من أول سطر إلى آخر سطر وحين يعود بنا الروائي إلى هذا الشكل من الكتابة الروائية – اعني ترشيد القارئ إلى الوجهة الأسلوبية التي يقصد وهي الوجهة المغايرة لما هو متوفر لدينا من مدونات الروائية في صورها المتناسخة حد التطابق لغة وسردا وبنية يذكرنا الروائي في الاستهلال الذي عنونه ( حديث الراوي ) من أن حكاية التراس التي ترفض السلطات تدوينها والاعتراف بها ويرفض مؤرخو البلاط تناولها في كتبهم وفي ذلك اشارة واضحة وعلامة تؤسس لزمن قادم هو تاريخ المغامرة الفنية بعيدا عن انساق التاريخ المحكي المعتاد وسبل التوظيف الاديولوجي له بما هو تاريخ رسمي لا يسمح فيه للخطابات الأخرى بالتداول والانتشار بحكم أن له ما يسميه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ( حق الامتياز أو الخصوصية الممنوحة للذات المتحدثة ) باستخدام التبني أو الأبوة حسب تعبير الروائي عبد العزيز غرمول التي ( تستمد منها أطرا فكرية لتسهيل تقنينها وإخضاعها وتجريدها من سلاحها وهو التجريد وان لم يكن سلبيا إلا انه يؤدي إلى تبسيطية فقيرة تجعله مجرد خطاب ككل الخطابات المسيطرة والتي تشكل خطرا على المعرفة التي تتحكم فيها وتقصي بطبيعتها المختلف )2 عبر لغة وأسلوب يذكرنا فيه كمال قرور بطرائق القدماء في السرد ،... لقد استعار الروائي هذا الأسلوب الذي يميز أسلوب ( ألف ليلة وليلة ) لا ليذكرنا بأصالة الفن القصصي لدى العرب ولا لأنه أراد ان يعيدنا إلى ليالي شهرزاد وشهريار وإنما هدفه ان يرشدنا للطريق الذي اختاره وهو طريق الإطاحة بتقاليد السرد القصصي والروائي والانطلاق من الواقع على أجنحة مخياله الخلاق لينسج عالما سرديا من فتات الواقع عبر معبر غير واقعي ... ان الدال في هذا النص الروائي وهو التراس متحد بالمدلول وهو الفئات اللامبالية بل والمتواطئة أحيانا مستهلا فصول روايته كالعادة بعبارة ( قال الراوي ) ليؤرخ لحكاية التراس كما يؤرخ للزمن العربي الراهن ... زمن ( الجنرال بودبزة ) – المعادل الموضوعي للنخب العربية الحاكمة بقوة السلاح وعبر ملابسات تاريخية لم تعد خافية على احد ... زمن الدم والخيانة والسطو على السلطة والتمسك بها والثأر فيستعيد السارد الخارج نصي كما تصفه جوليا كريستيفا اي الكاتب بعضا من صور وتمظهرات الميثيولوجيات اليونانية والمسيحية والعربية ليقوم بتفكيكها واعادة بناء اسسها دون التخلي عن آلياتها التي تعد مرجع كل الاقوال والافعال والحالات في راهن الفرد العربي واذا التراس وست الحسن ونانا خدوج والعرافة الحاجة خدوجة واللقلق صديق التراس والإمام سي الهادي والمحافظ السياسي بو خبزة والصحفي كمال بوترفاس شخوص فيها من الواقع ومن المتخيل بقدر ما لها ولأفعالها من الأسطرة والغرائبية كشخوص ألف ليلة وليلة والسرد الأمريكولاتيني كأن يجنح التراس الى منازلة الأعداء العماليق الغزاة للدفاع عن وطن الشمس ( إذ كان أول المتقدمين بفأسه كما كان أول المتقدمين بسيفه وقد هوى على الجدار الضخم للسد بضربته القوية فتشقق كأنما زلزال عنيف ضربه ثم انهال على السد الجميع حتى تهدم وتدفق الماء العذب ) فتولد الحاكية اذن من دائرة العتمة والحيرة كون التراس سرعان ما اختفى وباختفائه تختلف بل تتضارب الآراء فقد قال بعضهم ( قد يكون الماء جرفه بقوة بعد أن تصدع جدار السد وقال بعضهم قد يكون العماليق خطفوه ليقايضوا به جزءا مهما من تراب وثروات الوطن وقال البعض الآخر قد يكون الخونة المندسون بيننا هم من اختطفوه ليبيعوه للأعداء ويقبضوا ثمنه امتيازات ونياشين ) فتتناص اسطورة التراس مع مختلف الميثيولوجيات كما قرأها كمال قرور وتشرب دلالاتها وملامحها عبر اللغة والذاكرة والمخيال واذن فالتراس في أسطورة النص بعضه لغة وبعضه الآخر خبرة السارد في الحياة ونتاج ثقافته وصدى وجودها الراهن في زمن السقوط والهزيمة وفي هذا السياق يستوقف القارئ قبح وحماقات ليس اقلها الغدر والدسائس والتصالح الكاذب كما يسفر المحكي أحيانا عن مشهدا سوريالي مفاده جرأة شهلة بنت الإمام سي الهادي واعتراضها طريق التراس والإمساك بلجام حصانه قائلة له وهي تكشف عن فخذها البض وصدرها المرمري ( أيها الفارس العازب الى متى وأنت تشيح عنا بوجهك الجميل وتطعن قلوبنا برمح كبريائك ) ليتجاهلها طالبا منها أن تمنح قلبها للأبدي الخالد ومعلما اياها ان تكون الغيمة ولا تكون القطر ثم يختفي ويتبدد كما تتبدد كل الأشياء الجميلة ويتلاشى في دائرة الاعتقاد وعليه ينقلب الحاكي الى ناسخ يحيل على الكاتب مباشرة ويسمح بتدخل القارئ لتحوير ما يراه مناسبا فتتساوى بذلك حرية الكتابة وحرية القراءة في حيز إبداعي مشترك ومن هنا فإن وعي كمال قرور ببحثه عن المشترك بين التراثي والوافد علينا من ثقافات بلدان الشمال قد حقق لنصه الروائي اختراقات شكلية وأسلوبية اعتقد أنها رائدة إلى حد ما على صعيد المنجز الروائي الجزائري في حدود ما نعلم ... صحيح ان هناك محاولات سبقتها على غرار ( حروف الضباب ) للخير شوار ورواية ( المقامة الرملية ) للروائي الأردني هاشم غرايبية وروايتي ( رمل المايا .. فاجعة الليلة السابعة بعد الألف ) و ( المخطوطة الشرقية ) للأعرج واسيني لكن ليس بزمن كبير الأمر الذي يعني ان هذه الرواية مرت في المخاض ذاته الذي انبثقت فيه هذه المدونات الروائية وإذ كان كمال قرور قد كتب قصصا أخرى على هذا المنوال فإن لا احد يستطيع أن يتنبأ له بالمدى الواسع الذي يمكن أن يصول فيه ويجول .
إحــالات :
1- التراس ..ملحمة الفارس الذي اختفى – رواية – كمال قرور – منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم – الجزائر- بيروت .2008
2- جينالوجيا الغياب – في انساب القهر الثقافي والتهميش وآليات المعرفة الناقصة – عبد العزيز غرمول – مجلة الكاتب الجزائري – العدد الأول – ص 68 – منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين .

0 التعليقات:

المتابعون

زوارنا من

اشترك في القائمة البريدية

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

زوار المدونة بلغ عددهم ومن



free counters PageRank

جميع الحقوق محفوظة مدونة افكار ضد الرصاص

قالب ديسكاس تعريب وتطوير مكتبة خالدية | أعلى الصفحة