تصفح
     

السبت، 16 أغسطس 2008

حكاية الجاحظ وما جرى له في مكتبات الجمهورية ..


حكاية الجاحظ وما جرى له في مكتبات الجمهورية ..



المصدر




الرابط : فن وثقافة
كمال قرور
" إما أن نجد لنا سبيلا ، أو نصنع لنا سبيلا "
 هانيبال
( يحكى أن ) أبا عثمان عمرو المدعو الجاحظ  الكاتب العربي الكبير، صاحب المؤلفات والمصنفات العديدة، المولود في القرن الخامس لهجرة العقول، كان يتسكع في شوارع عاصمة الجمهورية، في عصر غير عصره، دون أكل أو شرب وقد ازداد جحوظ عينيه لرؤية "البيزيريات" ومحلات "الهامبورغر" وصالونات الشاي..تعففت نفسه أن يمد يده طالبا دنانير ليشتري لنفسه طعاما،أو يقتحم محلا من المحلات يأكل حتى يشبع ويتحمل كل العواقب. لكن في الأخير جاءته فكرة التعريج على بعض المكتبات ليقف بنفسه على مدى رواج مؤلفاته التي أفنى حياته في تأليفها، ليطالب ديوان حقوق المؤلف بحقوقه المادية المتراكمة. لاشك أنه سيصبح مثل الأغنياءالذين يستوردون كل شيء من الصين. هكذا راودته أفكاره ..
دخل المكتبة الأولى وسأل صاحبها :
-  أي الكتب تحقق رواجا هذه الأيام ؟
أجاب صاحب المكتبة دون تردد أو تفكير:
- كتب الطبخ .. طبعا ..يا سيدي ..
قال الجاحظ، بتواضع الأدباء والعلماء وهو يصلح ياقته وربطة عنقه وقد فاجأه جواب صاحب المكتبة غير المتوقع :
-  هل عندكم كتاب الحيوان للجاحظ ؟
- لا يوجد..ثم من يكون الجاحظ هذا أنا لم أسمع به من قبل ؟
شعر الجاحظ بالحرج، ودون أن يعلق على كلام صاحب المكتبة،انصرف متوترا، ودخل مكتبة ثانية ثم سأل صاحبها :
- أي الكتب تحقق رواجا هذه الأيام ؟
- تحفة العروس .. يا سيدي ..
- هل عندكم "البيان والتبيين" للجاحظ ؟
- عندنا نسخة واحدة ولم يطلبها أحد منذ عامين  ...
خرج كاتبنا الكبير حزينا ودخل مكتبة أخرى وسأل صاحبها :
-  أي الكتب تحقق رواجا هذه الأيام ؟
-  رسائل العشاق .. يا سيدي ..
-  وهل عندكم كتاب "البخلاء" للجاحظ ؟
- لا أخفي عليك يا سيدي.. رغم أن هذا الكتاب مقرر على طلبة الثانويات في حصة المطالعة، للقراءة والتلخيص، إلا أن الإقبال عليه غير مشجع. الطلاب يسرقون ملخصه المنشور في أحد المواقع الأدبية على الأنترنيت ويقدمونه لأساتذتهم الذين ملوا بدورهم القراءة.صاروا يعطونهم علامات تقديرية ترضيهم وكفاهم الله شر القراءة والتصحيح، بينما دار النشر التي طبعته أول مرة بكميات هائلة تعرضت للإفلاس وصاحبها مازال حتى هذه الساعة في مصحة عقلية وندعو الله أن يشفيه ..
خرج أبو عثمان عمروالجاحظ الكاتب العربي الكبير، مهموما يجر خيبته وراءه. دخل مكتبة أخرى واستحى أن يسأل صاحبها أسئلته الفضولية، وكانت عيناه الجاحظتان تبحثان في زوايا المكتبة عن شيء ما، بكل تواضع كان كاتبنا يبحث عن كتبه القيمة. لما رآه صاحب المكتبة عرفه من جحوظ عينيه، رحب به قائلا :
-دون شك أنت هو الجاحظ الكاتب العربي الكبير ؟
شعر الجاحظ بالخجل وازداد تواضعا. تلاشت فجأة غمامة الحزن التي حجبت أفقه منذ دخل أول مكتبة في عاصمة الجمهورية 
-  نعم أنا هو الجاحظ بلحمه وشحمه وجحوظ عينيه ...
قاطعه صاحب المكتبة وكان باحثا أكاديميا نشيطا، قدم رسالة دكتوراه في الأدب المقارن بجامعة السوربون، قارن فيها بين بخيل الجاحظ وبخيل موليير، واكتشف أن الجاحظ الكاتب العربي قرأ بخيل موليير وتـأثر به كثيرا، بل أعاد نسخه وسلخه ولم يأت بجديد. ونظرا لمجهود الباحث الكبير في التنقيب عن السرقة الأدبية المفضوحة التي غيرت وجهة تاريخ الأدب الحديث والمعاصر، منحته لجنة التحكيم درجة ممتاز مع التوصية بالطبع ..
وبالمناسبة وقع الباحث الكبير نسخة من كتابه الفاخر الصادر عن منشورات (هاشيت )، وسلمها لكاتبنا ثم أشار إلى ملصقة معلقة على الجدار تحمل صورة الأديب الكبير وكتب عليها بخط كبير،  هذا السارق الكبير مطلوب من طرف (الأنتربول). من يقبض عليه أو يدل على مكانه له مبلغ عشرة آلاف أورو أو ما يعادلها بالدولار..
قال الجاحظ :
- ولماذا لا تقبض علي وتسلمني ل(لأنتربول) وتستلم الجائزة
قال الباحث صاحب المكتبة :
-  أنا أكاديمي وعضو فعال في منظمة حقوق الإنسان. صاحب أخلاق ومبادئ، لا يشرفني أن أفعل ذلك ..
قال الجاحظ :
- وكيف سمحت لك أخلاقك أن تتهمني بالسرقة الغريبة وتمتنع عن تسليمي ل(لأنتربول) الذي استند إلى مذكرتك ليثبت التهمة
- هذه الفلسفة يطول شرحها، وكما يقال: لكل مقام مقال. ولكني أطلب منك أن ترفع دعوى قضائية على الروائي الجزائري الطاهر وطار لأنه استغل اسمك في تسمية جمعيته  "الجاحظية"،  ويصدر مجلة أدبية محكمة عنوانها "التبيين"وهي كما ترى سرقة موصوفة لنصف عنوان كتابك الشهير "البيان والتبيين". ارفع عليه دعوى قضائية وطالبه بالتعويض المادي والمعنوي.. وإن لم تكن تملك المال الكافي، أنا أدفع مصاريف المحامي.. المهم أن يتوقف نشاط هذه الجمعية ويتوقف صدور مجلتها بحكم قضائي حتى لا تثور منظمة العفو الدولية،وتملأ الإعلام الدولي صراخا وعويلا على الحريات.. 
قال الجاحظ :
- هذه ليست أخلاقي ..
قال صاحب المكتبة الباحث :
- إذا كنت خائفا من رد فعل وطار الانتقامي، أعطني توكيلا، وأنا أقوم بالواجب، باعتباري أحد المختصين الجامعيين في تراثك الأدبي ..
قال الجاحظ :
-  عجبا أي تراث هذا الذي أفنيت عمرك في نفيه واتهمت أصحابه زورا بسرقته..كان بإمكان الروائي الطاهر وطار أن يسمي جمعيته "الوطارية"نسبة إليه،ويسمي مجلته الأدبية التبيين : "طز".. وهو حر في ذلك،ولن يعترض عليه أحد، حتى وزير الداخلية نفسه.. ولكنه منحني شرف الامتداد في التاريخ والذاكرة ويستحق أن أشكره ..
قال صاحب المكتبة الباحث :
 -  يبدو أنك مرهق وجائع. تعال نذهب إلى أقرب مطعم فاخر،  وهناك نعقد صفقة بيني وبينك. تتنازل لي عن كتابك الرائع "الجواري والقيان" لأعيد طبعه باسمي في طبعة عصرية ملونة ومزينة بالصور ليقبل عليها شباب اليوم. وتأخذ حقوقك كاملة..
تأسف الجاحظ الكاتب العربي الكبير، بينه وبين نفسه، ولم يرحب بفكرة صاحب المكتبة "المتثاقف" والباحث الأكاديمي والعضو الفاعل في منظمة حقوق الإنسان.. وساءه أن يصل التعفن إلى مداه. كان متحمسا للتنازل عن كل حقوقه من أجل أن تبقى الأجيال تقرأ وتقدر العقل. ولكنه ليس مستعدا أن يبيع أتفه رسالة كتبها في حياته ولو بكنوز قارون أوثروة "بيل غايتس"  أوأموال الملياردير السوفي "جيلالي مهري"..
حاول الباحث الأكاديمي أن يفهم ما يدور في رأس الكاتب العربي الكبير ولكنه لم يستطع. ظل ينتظر دعوته إلى المطعم الفخم، لعقد صفقة العمر، لكنه لم يفعل .
سار أبو عثمان عمرو الجاحظ الكاتب العربي الكبير في شوارع عاصمة الجمهورية، ومازال يسير، أنسته همومه آلام جوعه، حتى اختفى عن الأنظار. ابتلعته آلامه
kerouka@yahoo.fr


1 التعليقات:

SooNaaA يقول...

حقاً...
هذا هو هذا الزمان
ياعيني على الجاحظ..لو كان هنا لكان انتحر

المتابعون

زوارنا من

اشترك في القائمة البريدية

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

زوار المدونة بلغ عددهم ومن



free counters PageRank

جميع الحقوق محفوظة مدونة افكار ضد الرصاص

قالب ديسكاس تعريب وتطوير مكتبة خالدية | أعلى الصفحة