قصة: إضراب غير دستوري في مطبخ حاتم الطائي (ماكدونالد) العرب ..
قصة: إضراب غير دستوري في مطبخ حاتم الطائي (ماكدونالد) العرب ..
" كل شيء ينضح بالجريمة في هذا العالم،
الجريدة والحائط ووجه الانسان ."
شارل بودلير
( قال الراوي ) نزل رجل الأعمال ( الرادمة ) المشهور في جمهورية (الكح)، ضيفا على حاتم الطائي الذي أصبح يعرف بـ"ماكدونالد" العرب، في فيلته الفخمة على شاطئ البحر الأحمر أو الأبيض أو الأزرق أو الميت، لا يهم ..
وكانت صورته الكبيرة تعلو أحد الجدران، وهو في بدلته السوداء الأنيقة وربطة عنقه يبتسم كأنه مرشح للبرلمان وكتب في الجانب السفلي، بخط واضح:
- الكرم والجود من شيمنا.
وعلى الواجهة كتبت يافطة بخط كبير :
إلى ضيوفنا الكرام: نظرا .. ونظرا .. ونظرا ..نضمن لكم نصف الضيافة، المبيت فقط، الرجاء إحضار "ساندويتشات" معكم لأن طباخينا في إضراب عام غير دستوري..
تعجب رجل الأعمال ( الرادمة ) وهو يقرأ اللافتة. ولكن لم العجب وقد أصبحت الإضرابات حقا من حقوق العمال الدستورية في الدول التي تحترم نفسها فما بالك بمطبخ حاتم الطائي الذي وصل صداه أصقاع العالم من سنغفورة إلى فنزويلا..
وبينما كان رجل الأعمال (الرادمة) منشغلا بحدث الإضراب الذي صادف مجيئه لسوء الحظ، فإذا بحاتم الطائي بشحمه ولحمه وتواضعه يستقبله كعادته بترحاب منقطع النظير وهو في قمة شياكته رغم ما كان يخفيه من "زعاف" :
- مرحبا بالضيف الكريم، حللت أهلا ونزلت سهلا ..
- شكرا على كرم الضيافة أيها الأخ الكريم ..
- طالت غيبتك في بلاد الصين هذه المرة؟
- نعم رحلة تجارية فاشلة كلفتني كل رأسمالي هناك ..
- وكيف وأنت أبو التجارة وصاحب الشطارة ؟
- أنت تعرف أني تعاملت مع "الشناوة" كثيرا في تقليد البضائع: الأدوات المنزلية والكهربائية ومواد التجميل والإلكترونيك والألعاب والألبسة والأدوية، وربحت مالا كثيرا ولكن هذه المرة لما سمعت أن الانتفاضة الفلسطينية الثانية توقفت بسبب نفاد الحجر قررت أن أستغل هذه الفرصة الذهبية. أخذت حجرا حقيقيا لأقلده وكان حلمي يراودني أني سأصبح أغنى الأغنياء، وأحتل المرتبة الأولى في ترتيب مجلة (فوربس) الأمريكية وخاصة أن هذه الحرب الحضارية بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا يمكن أن تنتهي، إلا بفناء العالم. طفت الصين ورشة ورشة وكذا طايوان، والكوريتين، ولم أجد من يصنع لي حجرا مقلدا، بل وجدتهم متفقين جميعا على شعار واحد، نقلد كل شيء إلا الحجر.
قال حاتم الطائي :
- يالها من رحلة خاسرة.. ويبدو أننا في الخسارة سواء ..
- ماذا حدث ؟
- إن الطباخين في إضراب عام مفتوح.. وتسببوا في عرقلة واجب الضيافة.. ولهذا قررنا أن نقوم بنصف واجب الضيافة أفضل من تركها كلها..
- ولماذا يضرب الطباخون عن العمل وخاصة أنهم يقومون بواجب عربي جليل.
- إنهم يطالبون برفع الأجور وتحسين المعيشة والتأمين، وإكراميات الساعات الإضافية والعمل الليلي وكذا عمل العطل.. والبقشيش ..
- المفروض أنهم يتطوعون في سبيل خدمة الضيف وينذرون عملهم لوجه الله وليس لوجه أحد.. إنهم بهذا السلوك يسيؤون إلى سمعة مطبخكم الذي يضرب به المثل في الكرم في الكتب القديمة، وفي "كاتالوجات" السياحة الحديثة.
- لقد أقسمت، على المباشر، في حوار خاص مع الجزيرة بأن لا أزيدنهم دولارا واحدا، وإن تمادوا في إضرابهم فإني سأضرب عن الضيافة إلى الأبد. أحول المطعم إلى شركة مختصة في الوجبات السريعة أجني من ورائها آلاف الدولارات..
- نصحتك كثيرا أن تفعل ولكنك ...
- أبناء الحلال كانوا يشجعوني على واجب الضيافة وهم من نصحوني اليوم بالإبقاء على نصف واجب الضيافة حتى لا تهتز سمعة الطائي بين المستوردين العرب الذين يستوردون السلع من بانكوك وهونكونغ واليابان وتايوان وتايلاند وماليزيا وسنغافورة ..
- أنت أدرى بشؤونك يا سيد الجود والكرم.. ولو كنت مكانك لعوضتهم بطباخين من الباكستان والهند وماليزيا وأندونيسيا إن العمالة الآسيوية ماهرة، ومطيعة ورخيصة الأجر. وإذا سمحت لي سأقوم بجلب هذه العمالة بنفسي.
- إنهم معتصمون بالمطبخ ليل نهار وهددوا بحرقه كذا مرة في حالة إقدامنا على استقدام العمالة الأجنبية..ولهذا أحجمنا عن المغامرة.. لقد أمهلتهم أسبوعا إن لم يتراجعوا عن إضرابهم غير الشرعي فسأكتب مذكرة لـ"لأفامي" مقترحا خطة لتحويل الجمعية الخيرية المسيرة للمطبخ إلى شركة ذات أسهم، وأبيع نصف الأسهم للشركات المتعددة الجنسيات. وأقوم بتحديث المطبخ ليصبح فيه كل شيء آليا وبالتالي تسريح عدد كبير من العمال، وإجبار بعضهم على التقاعد المبكر، والتخلص نهائيا من وجع الدماغ.
قال رجل الأعمال ( الرادمة ) :
- أحسنت يا سيد الجود.. سيكون لي الشرف أن أشتري أسهما في الشركة الجديدة ..


إرسال تعليق