كمال قرور الفائز بجائزة مالك حداد للرواية لـ''الخبر''
كمال قرور الفائز بجائزة مالك حداد للرواية لـ''الخبر''
الأنواع الأدبية الشعبية أعطتني ثقة كبيرة في الموروث الشعبي
بدأ كمال قرور بكتابة القصة القصيرة منذ وقت مبكر، لكنه لم يقتنع بما كان يكتبه من حيث الشكل والمضمون. وبعد دخوله عالم الصحافة تخلى عن الكتابة الأدبية، لكنه سرعان ما عاد إليها، فتحصل على جائزة مالك حداد للرواية بروايته ''الترّاس.. ملحمة الفارس''، مناصفة مع كاتبة مجهولة استعملت اسما مستعارا. وفي هذا الحوار الذي خص به الخبر يتحدث قرور عن تجربته في الكتابة.
اعتمدت في كتابة رواية ''التراس'' على أسلوب هو مزيج بين الأسلوب الحداثي والتقليدي، لماذا هذه التقنية؟
أسلوب الكتابة وشكلها فرضا نفسيهما عليّ في كتابة هذه الرواية وبقية الروايات، وكذلك القصص القصيرة. كان عليّ أن ابحث عن أسلوب وشكل يستوعبان أفكاري وخيالي ليستوعبا هذا الواقع العجيب المريب. لما رأيت الناس يتفاعلون مع الخرافة والأسطورة كان عليّ أن أحطم كبرياء هذا الواقع و''أُأَسطره'' ليصبح التجاوب معه ايجابيا. ربما لأني اقتنعت أخيرا بهذا، بعد أن اقتنعت به منذ المرحلة الجامعية؛ حيث انجذبت إلى الأشكال الروائية التي اختارت التأصيل مثل موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح والزيني بركات لجمال الغيطاني والف وعام من الحنين لبوجدرة والحوات والقصر للطاهر وطار ونوار اللوز لواسيني لعرج..الخ. بعد اكتشافي للأدب الشعبي ولقيمته الفنية والاجتماعية والحضارية، أدمنت على قراءة السير الشعبية والحكايات والأساطير والأمثال. هذه الأنواع الأدبية الشعبية أعطتني ثقة كبيرة في الموروث الشعبي، وخاصة بعد أن أصبحت أنظر إلى بعض الأعمال الأدبية الواقعية بنظرة الريبة؛ لأنها تستنسخ تجارب الآخرين وتشوه واقعنا المختلف. لما اكتشفت في الجامعة التحليل الحضاري لمالك بن نبي نبهني إلى أن واقعنا ليس بالضرورة هو الواقع الأوروبي؛ لأن أوروبا تعيش الحضارة بينما نحن نعيش خارج الحضارة. لهذا اكتشفت فيما بعد أن الواقع الذي وصفه ديستوفيسكي وهمنغواي وكافكا ومورافيا وبروست وجويس، ليس واقعنا، ومن العيب أن نستنسخ أشكال هذه التجارب ونصب فيها أدبنا. ولما وقفت على تجارب بعض عظماء أمريكا اللاتينية أمثال ماركيز و جورج أمادو وبورخيس، المتميزة عن تجارب أمريكا الشمالية وأوروبا فتحت شهيتي لإطلاق قيودي .
وقد أثنى تقرير لجنة تحكيم الجائزة لهذه السنة - المكونة من الناقدة يمنى العيد والروائي نبيل سليمان- على هذا الأسلوب الذي اتبعته في كتابة الرواية، وهو دعم معنوي لي لمواصلة الطريق الصعب بثقة ومسؤولية.
يبدو أنك ابتعدت عن قيود الذاتية؟
الذاتية موجودة في أي نص أدبي، ولا مفر منها لأنها تلقي بظلالها ونكهتها، ولكن حين تصبح الذات محور العمل الأدبي ستصبح عائقا في طريق الكاتب اذا لم يكن متمرسا وماهرا في الكتابة، ليعجن هذا الذاتي ليصبح موضوعيا. سيكتب نفسه مرات ويسقط في وحل التكرار. والحقيقة، ماذا تساوي ذرة هذه الذات في هذا الكون الشاسع.
رواية ''التراس/ ملحمة الفارس الذي اختفى'' لا تتمحور حول الذات، ذات الكاتب ، إنما هي رواية موضوعية تحكي تجربة انسانية، تجربة أمة. لقد فاجأني بعض الأصدقاء لما اعتقدوا- قبل أن يقرأوها- أنها سيرة ذاتية، للأحداث والأهوال التي واجهتها في حياتي. بصراحة، هذه الرواية سيرة موضوعية للكائن البشري المتناغم مع الطبيعة والكون الذي يعلم الناس والحيوان والنبات الحب والتسامي والعدل والحرية والثورة والمساواة، يعطي أكثر مما يأخذ. هذا التراس ليس أنا وإنما هو الذي أريد أن أكونه، عندما أتجاوز ذاتي لأصبحه. أنا أختلف عنه لكني أريد أن أصبح مثله ولا أذوب فيه، أنا أحترمه وأقدره. وبصراحة لما انتهيت من كتابة سيرته اكتشفت أنه لا يشبهني، بينما أنا الآن أريد أن أشبهه واستشهد بكلامه وبعض حكمه، وأسلك سلوكه. فهو قدوتي ومثلي الأعلى.
تمنيت لو قرأت روايات ابراهيم الكوني قبل أن أكتب التراس، لأن الطاهر وطار لما سلمني احدى رواياته، قال لي أنا أرشّحه لجائزة نوبل وأستحي بعد اليوم أن أقول أني كاتب. ولكني شعرت بعد قراءة رواية الكوني أني اذا قرأت كل رواياته قد أصبح يوما كاتبا. والحقيقة أنا لا أركض اليوم خلف لقب الكاتب إنما أريد أن أصبح تاجرا لأكمل كتابة ملحمتي في الواقع بالعرق، مثلما كتبت ملحمة التراس بالمداد.
وكيف قرأ قرور التجارب الروائية الجديدة؟
بداية التسعينيات كانت مرحلة لظهور تقليعة روائية هي الراهن. هذا الجيل الجديد أو المخضرم فاجأته الأحداث مثلما فاجأته التوقعات، لأنه جيل الإعلام بحكم ممارسته لهذه المهنة. هذه الفئة كانت مستهدفة من قبل مشروع التصفية لخلط الأوراق. وبحكم الضغط الذي كانت تعانيه والتغليط الذي كانت ضحيته، لجأت أسماء كثيرة إلى كتابة الرواية لمحاولة توصيف ما يحدث. الحقيقة أنها لم تستطع أن تمتلك الراهن لأنها بقيت رهينته. وسقطت ضحية الارتجال والنظرة الذاتية الأحادية، في توصيف الخوف الذاتي-. بينما بقي الآخر غائبا غامضا- بعيدا عن هذا الذي أسميه التاريخ الافتراضي أو الواقع المفروض، الذي تصنعه مخابر العولمة حيث ترتجل لنا المشاهد المسرحية الدرامية وتتركنا في مواجهة مصائرنا المحتومة.
ليس عيبا أن يجرب هذا الجيل ويفشل، إنما العيب أن يتمادى في تكرار الفشل. بعد الفشل يأتي النجاح الباهر حتما.. سرني كثيرا، أنك كتبت رواية جميلة ''مرايا الخوف'' فيها أشياء كثيرة هزتني وشعرت بها كواحد من ابناء الاستقلال رغم أنها فضلت الوصف الكلاسيكي .أتمنى أن أجد شهوة مفتي الأخيرة متميزة ومتجاوزة لتجربته، مثلما تميزت تجربة عز الدين جلاوجي في الرماد وتجربة الخير شوار في حروف الضباب ولحيلح في الكراف وغرمول في زعيم الأقلية. بالإضافة إلى تجارب أخرى أحترمها وأتوسم في أصحابها خيرا، أمثال سفيان زدادقة والعيد بهلولي وسارة حيدر وعمارة لخوص والسعيد بوطاجين وعبد الحميد مغيش وفضيلة الفاروق وياسمينة صالح وابراهيم سعدي.
حاوره: حميد عبد القادر
2008-01-14

إرسال تعليق