تصفح
     

الاثنين، 23 أبريل 2007

عن ماركيتينغ الخطاب .... وصناعة المعرفة

   كنت اقرأ لبن زيان واحتفظ بمقالاته التحليلية والتفكيكية الرصينة ، ولذلك اصطفيته صديقا حميما دون ان التقي به ، مثلمااصطفيت لوركا وديستوفيسكي  وروسو والجاحظ  وبن نبي دون ان التقي بهم.. لكني حين قرأت في المدة الاخيرة  رده على الكاتب جمال نصر الله على صفحات الخبر تزعزعت صورته الميثالية قليلا  في نفسي ، لذلك لم يفاجئني رده على مقالي /الجعجعة والطحين /  حيث كنت متقبلا لرد فعله الانساني ولن اقول العدواني احتراما لمقالاته الجميلة التي احتفظ بها في ارشيفي وانا هنا اعذره لاني اعرفه كيف يفكر واعرف الحقل المعرفي التي يتحرك فيه واعرف ردود افعاله في بعض الحالات دون ان احيط بكل الحالات ، بينما هو للاسف لايعرفني ولايعرف ماذا اكتب وفيما اكتب وماهو مشروعي ان كان لي مشروع حقا ، لقد فهمت من رده انه يعتبر نفسه حامي المعبد ولذلك يسلك السلوك الاقصائي العنيف مع كل الذين يحاولون الاقتراب من المعبد بدون تأشيرة طبعا ..


   لم اكن في مقالي - كما يدعي ابن زيان-  متطفلا ولم اكن واعظا ولم اكن ادورالدوران الهدام ، مثل ثور الساقية  ،ولم تكن في نيتي ان افسد عليه وعلى رفاقه بسطتهم الحميمية التي لم تتجاوزهم للاسف.. فاذا كانت نية الاصدقاء ان لايتدخل احد في النقاش فكان الاجدر ان يكتبوا ملاحظة: رجاء لاتزعجونا نحن نفكر وننظر..او يجلسوا في صالون مكيف ويتحدثوا فيما يشاؤون حتى يغلبكم النعاس .. اما اذا كانوا يريدون ان يسمعوا صدى اصواتهم فقط تعكسه اقلام غيرهم فهذا ايضا غير مجد ، والدليل انه لا احد تدخل وردد الصدى  ..فهل هي طبخة غير ناضجة ؟ قد يكون تدخلي نشازا لانه لايرقى الى التنظير والتفلسيف  وخاصة ان لغتي تخفي في احشائها سلاح الدارجة الكيماوي الذي يخترق حجب الخطاب المتعالي .. ولكن كان دفاعي عن الاختلاف كافيا ليشفع لي حارس المعبد وللاسف ذلك لم يحدث ....


  لقد حاولت قدر المستطاع ان ادافع عن الحقيقة التي قد يهتك شرفها في مخدعها ليلة زفافها على ايدي فرسان الرواية الجديدة ولم تكن في نيتي تصفية حسابات مع أي واحد من الاصدقاء.. فاذا كان حميد قد كتب الانزلاق بالعربية وبالفرنسية ثم توقف عن كتابة الرواية وتحول الى كتابة القصة القصيرة- حسب تصريحاته الاخيرة- والى الكتابات التاريخية التي يصلح لها - حسب رأي مفتي الذي لم يعجبه في رواية هذا الاخير الا لقطات .....فعن اية تجربة روائية  يمكن ان يحدثنا عنها حميد في غياب التراكم الذاتي مادام قد استبعد من تنظيره التراكم الروائي الوطاري مثلا  ؟ وماذا تضيف للقارىء  /الصراعات الذاتية/ لمفتي - حسب تعبيرابن زيان – هل تتجدد التجربة كل مرة وتغنيه ام توقعه في شرك الروتين  ؟ ..


ماركيتيغ الخطاب


عندما كتبت مقالي كنت اغمزالى خطورة الخطاب المتعالي المغلق الذي يدور في حلقة مفرغة منساقا وراء سراب  الذاتية الافتراضي بعيدا عن حقائق الواقع ..


لقد حاولت ان استدرج الاصدقاء الى حقل واسع ليخرجوا من قوقة المونولوجات التي تعيشون فيها ، الى فضاء اوسع وارحب ليكون الخطاب مفتوحا على الاخر/المتلقي وتكون الفائدة اعم .. وحتى نكون عمليين كم نسخة باعها حميد من روايته وباللغتين وكم كان سيبيع لوترجمها الى الامازيغية ايضا ؟اليست لغة وطنية ومدسترة ؟  وكم باع مفتي من رواياته وقصصه القصيرة ؟ قد يكون هذا المقياس غير صائب دائما للحكم على أي خطاب جمالي ولكن، هل يمكن الحديث عن اعمال ضخمة وتجارب رائدة قبل ان يفصل فيهاالقارىء المستهلك الحقيقي للخطاب الجمالي؟لا اظن هؤلاء الكتاب المشهورين الذين يتقاذف الاصدقاء باسمائهم يطبعون مائة نسخة او حتى الف نسخة.ان اهتمامننا اليوم ينصب على احدى عناصر سوسيولوجيا الخطاب وهي ماركيتينغ الخطاب او تسويق الخطاب في زمن الصناعة المعرفية للبحث عن خصائص جماهيرية الخطاب ، وان كان هذا اجتهاد منا فانا لانريد فرضه على احد ، وعندما يقول بن زيان ان حميد قد اسر اليه في احد المعارض باننا في حاجة الى الرواية البوليسية ، فاني اعيب ذلك على حميد لانه احيانا لخوفه يؤمن بأشياء ولايحاول اشراك الاخرين همومه ، بينما ينتقي مايريد ان يطلع الاخرين عليه ولذلك لايكون دائما موفقا .. انني من المدافعين عن تعدد الخطاب الروائي ، ومن المحرضين على بروز الخطاب الجماهيري في شتى المجالات ؟ لماذا نتشبث بالخطاب الاحادي النخبوي المغلق الذي يولد في الانابيب ويموت فيها دون ان يذوق طعم الحياة والانتشار ..لماذا نحرم صانع الخطاب من أي نعمة مادية قد يدرها عليه انتاجه ، هل قدره ان يعيش فقيرا معدوما ، انها نظرة خاطئة للمنتوج .


  فبعد تطور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في القرن الماضي ، اصبحت اليوم تطرح نفسها بديلا لكل التيكنولوجيات الكلاسيكية ومن هذا المنطلق جاءت الفكرة لاقتحام حقل التسويق الجمالي/المعرفي وهذا الاقتحام يسمح لنا بزحزحة الاشكاليات القديمة التي لم تعد مثمرة .بل اصبحت قاتلة في احيان كثيرة.. .  


 ان تطور العصريوجب علينا ان نغير نظرتنا الكلاسية الى الخطابات الجمالية/: نص سردي / نص شعري او ملحمي / نص مسرحي / لوحة / فيلم / ايقاع ..من كونها ترف فكري الى النظر اليها على انها مادة سلعية استهلاكية قابلة للتسويق الجماهيري


 وهذه المقاربة جاءت لتحرث الذهنيات القديمة البالية التي لم تستطع فهم العصر وتصرعلى العيش في القوقعة الحلزونية المظلمة الخالية من كل متع الحياة .


ان صانعي الخطاب الجمالي / المعرفي ونحن هنا نفضل هذه التسمية البراغماتية الجديدة بدل التسمية الكلاسيكية/ الفنانون المبدعون/ وهي تسمية ذات ابعاد ميتافيزيقية،ان كانت تحقق لهم بعض النرجسية الانسانية والتي تجعلهم يتسامون على الاخرين .. فان ذلك لايطعمهم من جوع ولايامنهم من خوف  في غالب الاحيان ويعيشون حياة هامشية بئيسة .


 ان هذا التبرير الانفعالي الهش يجد ضالته عند هؤلاء /الصناع المثرثرون / الذين يتعالون في ابراجهم السامقة  على الواقع وعلى المستهلك المفترض وينظرون نظرة احتقار الى الجماهير المنغمسة في مشاكلها اليومية ،وهذا الموقف السلبي الذي يقفه هؤلاء السذج يجعلهم بمنأي عن رؤية عيوبهم في مرآة الحقيقة وبالتالي لايقدمون نقدا لاذعا او قل تانيبا خفيفا لذواتهم ، فيبقون جامدين في مكانهم لايبرحونه قيد انملة ولايتقدمون خطوة واحدة الى الامام ، وقد قيل من لايتقدم يتاخر..


وحتى لانتهم مرة اخرى بالدوران الفارغ فاني ضربت مثلا بالخطاب البوطاجيني المنفتح علىالانسانية وعلى المتلقي المستهلك، وهو بما يحمله من قيم وجماليات وجرأة ووقاحة يخرجه عن المألوف والسائد يقف في وجه كل السلط  المتجبرة رغم انه يتدثر بعباءة اللامنتمي ولكنه لامنتمي من طينة خاصة . ولهذا يصبح الخطاب البوطاجيني مشروع خطاب جماهيري ممتاز.يتفاعل معه المتلقي ايجابيا يحقق المتعة والوعي والمنفعة ايضا .. ولكنه مازال اسير موضة الالف نسخة التي تقيده وتحول بينه وبين جماهيريته .      



 عن صناعة المعرفة


عندما يشعر كل مبدع في أي مجال ان مايكتبه له قيمة ويعود عليه بالنفع المادي والمعنوي سيتحفز ويطور نفسه ، ويطور اكثر خطابه ،وحين يجد الخطاب / المنتوج سوقا له فان جمهور المستهلكين هم اول من يرفع او يخفض بورصة المبدعين ويكشف حتما المبدعين الخلاقين والمبدعين المزيفين ..أعرف ان هذه الفلسفة البراغماتية غير واردة في حقلنا السخافي المتسيب الهش، الخاضع للاهواء والنزوات ..ولكن يجب ان نبشر بها مهما كان الثمن ..  


وحتى يتشكل هذا الوعي الاقتصادي للجماليات ، لابد من مرحلة تحسيس للمشتغلين في الحقل الابداعي ليرتقوا بانفسهم وافكارهم من السخافة الى الثقافة الفاعلة ، أي يتخلصوا من نرجسيتهم ويطرحوا الاسئلة الجوهرية : ماذا نبدع ؟ وكيف نبدع ؟ ولمن نبدع ؟ هذه الاسئلة تحدد معالم الطريق الطويل والشاق وتختصر مسافة التيه والضياع في قفارالعبث والطيش ..وبكل صراحة يجب ان يتخلى المبدعون/ المنتجون/ عن التجريدات والتهويمات وهم يجتهدون ليحلوا مشكلتهم الروتينية المؤرقة لماذا نبدع ؟ انها اشكالية المترفين وللاسف فارغة المحتوى .  


لان في هذا السؤال تشكيك وريبة في العملية برمتها ومعنى هذا ان صاحبها غير مقتنع بها وغير قادر على فرض الذات ومنافسة الغير .فليكن كل مبدع تتوقد فيه شعلة الابداع ، مؤسسة منتجة قائمة بذاتها.فيسأل نفسه السؤال الاقتصادي الواضح : ماذا انتج؟ وكيف انتج ؟ ولمن انتج ؟


 فهو هنا سيحدد مجال الانتاج عن قناعة لانه يملك خبرة كافية وله دراية ومعرفة ، فهواذا ، يعرف مايفعل . ويستطيع ان يسيطر على منتوجه ويخرجه في الشكل الذي يريد وحسب مواصفات معينة،وحسب ماهو مطلوب ومرغوب من طرف الزبائن المستهلكين ، الذين يكون على دراية بهم مسبقا وبنفسياتهم وسلوكهم الاستهلاكي ..


اننا في حاجة ماسة اليوم الى منتجي القصص العاطفية ، ومنتجي القصص التاريخية ،ومنتجي الرواية البوليسية ومنتجي الخيال العلمي التي تراعي قيمنا وهذا يعني اننا في حاجة الى ادب جماهيري في طبعات شعبية تصل المستهلك الحاصل على نسبة من التعليم حيثما كان و باسعار مغرية ..نحن في حاجة الى من يلبي الشهوة الاستهلاكية لاطفالنا : قصص مصورة ، افلام كارتون ، اناشيد ، مسرحيات  ، عرائس القاراقوز . نحن في حاجة الى من  يكتب سيناريوهات لانتاج افلام ومسلسلات كوميدية ودرامية للصغار والكبار .. نحن في حاجة الى من ينتج الحانا جميلة تربي ذوق الصغار حتى يكبروا ؟ ان كل فن او منتوج ابداعي يحتاج الى دورة مثل المنتوج الصناعي تماما ، وقد يكتفي بنفسه ، وقد يصبح مادة تحويلية يعاد تركيبها وتعليبها في شكل جديد حسب الفن الجديد الذي استعارها ..


ان تكنولوجيا الملتمديا قربت لاول مرة في تاريخ الحضارة البشرية بين الكتابة والصورة والصوت وآخت بين الفنون كلها وخلقت نموذج العصر ..فهل نتخلف نحن عن هذا الفتح العظيم ونبقى اسرى القوالب القديمة البالية .


ان مناخ عصرنا الملائم للخلق والابداع وصناعة المعرفة، يتطلب تواصل المبدعين فيما بينهم ، وتكامل اعمالهم للحصول على منتوج جيد له قيمة معنوية مثلما له قيمة مادية ..


اننا اليوم مطالبون للخروج من  كهوف غفلتنا الى عالم الابداع الحقيقي عالم الصناعة المعرفية، الذي يثمن الاعمال الفنية الخالصة ويجد لها شبكة كبيرة متطروة لتسويقها داخليا وخارجيا ،وبالتالي يرفع من مكانة صاحبها اجتماعيا ، ولهذا فان المبدع /المنتج / الصانع/ الذي يجب ان يعي جيدا الدورة الاستهلاكية لابداعه/منتوجه عليه ايضا ان يفهم انه لاينتج في جزيرة معزولة وانما مطالب بالتكامل مع الاخرين ليحقق الفعالية المرجوة ..


والقضية الجوهرية المطروحة اليوم امام الوعي الجزائري هي:  كيف نفكر في المشروع الثقافي الهادف وفق سياسة ثقافية واضحة المعالم جذورها في عمق الطاسيلي وفروعها في فضاء كل القارات مع تحديد الوسائل وتجنيد الطاقات المبدعة؟


 والحقيقة ان هذا الطموح المشروع  يتطلب اعادة النظر في دورالوزارة الوصية و المؤسسات الثقافية القائمة والمشرفين عليها والتمويل المخصص لها،واذا كانت رموزالسلطة المتعاقبة قد استهلكت مشروعها الفاشل في اربعين سنة ، الا يحق اليوم ان يبادر المثقفون الفاعلون انفسهم بطرح مشاريع مختلفة عن تلك المشاريع المألوفة لتحديد استراتيجية ثقافية قادرة على توفير مناخ الابداع وترقية الصناعات المعرفية ، التي اصبحت صناعة العصر ؟


قد يبدو لبن زيان اني خرجت على الموضوع ، ولكني كنت على هامشه وهاانا الآن في صلبه ، ولاني احترمه اتمنى ان يخوض معنا فيه بما يملك من قدرات معرفية ومنهجية كما اتمنى ان يدلي كل مهتم بدلوه ولو خالفنا الرأي.. ففي الاختلاف رحمة كما جاء في الاثر..


0 التعليقات:

المتابعون

زوارنا من

اشترك في القائمة البريدية

Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

زوار المدونة بلغ عددهم ومن



free counters PageRank

جميع الحقوق محفوظة مدونة افكار ضد الرصاص

قالب ديسكاس تعريب وتطوير مكتبة خالدية | أعلى الصفحة