بؤس السياسة .. بئس الثقافة ..
هذه الجزائر الجغرافية التي تصنع المشهد السياسي العجيب اليوم ، في حقيقة الامر، هي مجموعة من الجزرالثقافية المتخاصمة، المتعالية في القمم والهضبات .ا نها هاربة من بعضها البعض ولا تريد التفاعل والتلاقح : جزيرة جرجرة القبائلية ، جزيرة غرداية المزابية ، جزيرة الاوراس الشاوية ، جزيرة الهقارالتارقية ، جزيرة الهضاب العليا ..الجزيرة الصحراوية .. الخ .الم يحن الوقت للتفكير في امر هذه الجزائر/الجزرالثقافية ،لتوحيدها ووصلها ببعضها ؟ ان اسمها يحيل الى الانفصال واللاتواصل ،والاسم ينعكس مدلوله في الواقع فيدل على التشرذم والتشتت ، والتقوقع ورفض التفاعل ، رغم ان تضاريس الطبيعة قد وصلتها ولم تقطعها ..ان تمركزكل جزيرة ثقافية حول ذاتها، دون الاعتراف بالاخرالمختلف ، ادى الى ظهورالنرجسية ، التي ترفع من مقامها وأ صولها وتنفخ في انانيتها ، وتهجو كل ما حولها وتحاول الانقاص منه بالنقد السلبي والتنكيت المقيت ..ان هذه الارض الشاسعة والمترامية الاطراف ، تنعم بالاستقلال الذي ضحى كل شبر منها بما يستطيع دون تقصير، فلماذا تنكمش هذه الجزرالثقافية على نفسها ولاتتفاعل مع غيرها في ظل الاستقلال الوطني الذي يضمن وحدة التنوع ؟ اذا كان الاستعمار التقليدي قد اضطهدها أكثر من قرن، فهربت منه خائفة على نفسها من الانحلال والتفسخ والذوبان ، لماذا لا تنزل هذه الثقافات من عليائها وتتواضع لبعضها وتتحاور في اطار الثقافة الوطنية وتأخذ من بعضها لتخلق نموذجا جديدا غنيا؟ والمؤكد ان هذه الثقافات اصيبت بذهان الخوف ، فأصبحت تعيش تحت ضغطه ، وهي في حاجة الى جلسات علاجية لتتخلص من هذه الرواسب القاتلة .واذا كانت التجارة منذ القديم تلعب دورا حاسما في التفاعل الثقافي بين شعوب العالم ، فاني لاعجب كيف يقوم اليوم التبادل التجاري بين الجزر الثقافية دون ان يكون هناك احتكاك وتفاعل ثقافيين ، كأني بهذه الثقافات اصبحت مكتفية بما عندها وليست في حاجة الى هواء جديد ، انها ثقافات تتنفس ثاني اكسيد كاربونها ونخاف عليها من الاختناق والانفجار.. ان ماساة الجزائرالسياسية هي ماساة الجزر الثقافية ، لان الثقافة هي العنصر الحي في المجتمع الذي يتشكل في ضوئه وعي المواطنين وعلى هديه يدركون الاشياء .. اننا في حاجة اليوم الى التفاعل الثقافي لتوحيد جزرنا الثقافية المنطوية على نفسها ، والتخلص من هذا الانفعال المرضي الهدام ،الذي خلق ثقافة الموت والانتقام .. فاذا كانت الهضاب العليا مازالت تحفل بقيم /الرجلة/ والنيف وهي من بقايا الاخلاق الزراعية الرعوية العروبية ، فان المزابية تشتهر بكفاءة التسييرالتجاري والصدق في المعاملة ، وكذلك التضامن الاجتماعي /العزابي . وتمتاز الثقافة القبائلية بالروح المدنية التي تمجد الحرية الفردية وتدعو الى الديمقراطية، وتحفزالصناعة.. واذا كان الشرق تاريخيا متزمتا، و يصنع الثورات والابطال ويدافع عن الاصالة ، فان الغرب يميل الى التفتح ويقدم التسامح الاندلسي بديلا للتعصب للتعايش في المجتمع ، وتقدم الثقافة التارقية البساطة والتقشف وتمد جسرا قويا الى عمق الحضارة الافريقية ..هذا التنوع الثقافي الغني ،تنوع جزائري ، وهو في حاجة الى سياسة ثقافية جادة ، تعيد له طمأنينته وتطرد عنه الخوف لتعيد له قيمته وتجعله يتفاعل داخل المجموعة الوطنية ، ويحفظ للمجتمع توازنه ..والا ستكون الكارثة بسبب ثاني اكسيد الثقافة المتعصبة ..والموضوع في حاجة الى نقاش مفيد ، فهل من مزيد ؟

إرسال تعليق