الطاهر وطار المثقــــــف الفعال
لا يمكن أن أعطي الراحل الطاهر وطار حقه في هذه العجالة· وطار الإنسان والروائي والسياسي والإعلامي والناشر ومسير جمعية ثقافية ومؤسس الجوائز الثقافية· رجل بهذا الحجم يصعب على أي كان أن يختزله في أسطر· ما جذبني إلى الطاهر وطار ذلك الإنسان الجزائري البسيط في ملبسه وحديثه· الأصيل والعميق والمتواضع· المهتم بشؤون بلده الغيور على سمعته· رجل يهتم بأدق التفاصيل في الجغرافيا والتاريخ والأجناس والأنساب والشخصيات والعادات والتقاليد، واللغة واللهجات والحكايات والأغاني والأمثال والإلغاز··· كأنه أوتي العلم بكل شيء عن الجزائر المتنوعة بغناها· انه يستحق عن جدارة أن يكنى بموسوعة الجزائر·
لفتت روايته ''الحوات والقصر'' انتباهي رغم أنها لم تأخذ حقّها من الدعاية والنقد، كنت مولعا ببنائها المتميز وشكلت مع ''نوار اللوز'' و''ألف عام وعام من الحنين'' و''موسم الهجرة إلى الشمال'' وعيي الأدبي بضرورة البحث عن أشكال تعبيرية جديدة تستوعب واقعنا· وما لفت انتباهي أكثر إلى تجارب عمي الطاهر المتميزة، وعيه المبكر والثاقب بدور المجتمع المدني في بناء المجتمع الجزائري وضرورة إشراك النخبة في صنع مشهد ثقافي تعددي وديمقراطي، حيث كان التعصب ينمو بسرعة فائقة ويبشر بالخراب· فضل أن يعطي بلده ما تبقى من عمره· ولو كان أنانيا لأتخذ طريقا آخر وكان أفضل له للعيش الرغيد بعيدا عن وجع الدماغ·
أسس الجمعية الثقافية ''الجاحظية'' مع مطلع التسعينيات فساهمت في لمّ شمل بعض المثقفين الجزائريين الذين وجدوا في هذا الفضاء متنفسا لحرية التعبير والإبداع والنقد، فساهموا بجد في تفعيل المشهد الثقافي الجزائري الذي ظل لسنوات غير مؤطر وغير مؤسس· كانت التجربة رائدة ومثمرة، إذ أصبح هذا الوكر الثقافي الذي يرفع شعار ''لا إكراه في الرأي'' فضاء للتلاقي والتواصل والحوار والنقاش· كانت الأمسيات والندوات والملتقيات ومجلة التبيين والقصيدة والقصة تجارب مثمرة للعمل الجمعوي المنظم والهادف·
وتوجت التجربة الرائدة بجائزة ''مفدي زكريا للشعر'' ثم جائزة ''الهاشمي سعيداني للرواية''·
أي فخر لنا بهذا الرجل العظيم الذي خرجت من معطفه أسماء كبيرة وتجارب ثقافية أكبر· أبدا لن تنساه الذاكرة ولن يتنكر له الإحياء مهما اختلفوا معه· ومثلما قال الدكتور واسيني لعرج في مقاله الأخير ''الكتاب لا يموتون إلا قليلا''· وبكل تأكيد عمي الطاهر، مثل الشهداء يعود هذا الأسبوع أيضا·


إرسال تعليق