«الترّاس » رواية ترسم فانتازية واقعية للوطن المغدور

« الترّاس ملحمة الفارس الذي إختفى » واحدة من الروايات، التي كتبت بقلم صريح يمتلك موهبة فذة في إستشعار الوقت و الزمن، نجح في تصوير الشر والخير، بصورة متوازنة، مع نجاحه الكبير في تحقيق عنصر التشويق والإثارة الواعية، ومع قدرته على الربط بين الشخصيات، بطريقة ممتازة، يتميز بها العمل الروائي الناجح، وتصوير حجم المأساة. إنها باكورة الإصدارات للكاتب الجزائري كمال قرور
تجري أحداثها في وطن "متخيّل"، وفي زمن غير زمننا ، وتحت حكومة ليست هي نفس حكومتنا،الكاتب يبحر بنا في أحداث فانتازية وشخصيات مقصودة دقيقة التوصيف ، ليتضح لنا في النهاية أنها ترمز بالشخصيات إلى قضية قومية أكبر مما نتصور، إنها حكاية الفارس المغوار ذلك الرجل الآتي من التاريخ السرمدي الذي يحارب من أجل أن يسود الحق و يزهق الباطل ،لكنه في غمار الثورة، و بعدما هزم العدو و تمكن من هدم السد الذي تفيض مياهه فتروى البساتين و الأراضي القاحلة يختفي فجأة وسط عجقة الإحتفال بالنصر و كان يومها تنتظره عروسه "ست الحسن" التي وعدها بالنصر على الأعداء و العودة إليها سالما غانما لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ....، هكذا بكل بساطة،. يختفي الخير و تغدر الشهامة يذهب "الرجّالة" و يبقى المنبوذون ذوي الكروش المنفوخة و يبدأ الروائي بعد الفصول السعيدة في وصف حالة "ست الحسن" ،الأرملة التي أصبحت تساوم في شرفها و لم تسلم من لسان أحد فنعتوها بأقبح الصفات و رصدوا لها العيون كل ذلك لأنها لم تتنازل يوما عن حبها للتراس و شرفها كإمرأة حرة .قال الراوي:"كانوا أربعة يريدونها مهما كان الثمن... و كل واحد يريدها لنفسه و لا يريد لسواه أن يضفر بقلبها. المسؤول العسكري الجنرال بودبزة و المحافظ السياسي بوخبزة و سي الهادي إمام المسجد الكبير و الصحفي كمال بوترفاس... و يخوض بنا كمال قرور عبر هذا المزيج غير المتجانس من القوى المختلفة في لهاثها للنيل من تلك المرأة فساد الرأي و طريقة الحياة و هو ما يوحي بفساد من يسمون أنفسهم "نخبة" أو "سلطة" إلا أنهم لا يتوانون في نيل غايتهم بأية وسيلة، فالفساد أتى على الجنرال و المحافظ و الإمام ، إضافة إلى أن استخدامه للمراوحة بين أسلوب الرمز، وأسلوب الحدث الحقيقي، جعل الرواية موجهة إلى كل فئات القراء، بحيث يفهمها من يعرف المتن التاريخي البسيط لنكبتنا، ويقرأها البقية على أنها حكاية شعبية من طراز لونجة بنت الغول،. و التراس في الحقيقة رواية تجذب القارئ، لأن يقرأها، من دون توقف، تذهب بالقارئ لعالم خيالي بعيد ممتع، بأسلوب رائع جداً، وراق، رواية تحاكي قصة ضياع الوطن بين قرارت من سماهم الروائي بـ "العماليق" ثم من بعدهم" لفيف النخبة النهمة"، وتعيش قصة ضياع الأمانة من بين أيادي آل بلاد الشمس التي مسختهم السماء و تحولوا الى بهائم " و هو مصيرمن ضيعوالأمانة التي تركها التراس بين أيديهم كناية على الجزائر، وتزخر الرواية بالكلمات والمفردات، التي تفيد القارئ لغوياً، "التراس" رواية من نوع الروايات القصيرة لكنها كبيرة في مستواها الفنّي، صدرت عام 2008 عن منشورات الإختلاف و الدار العربية للعلوم ناشرون، تبصم تميزها من خلال النص المحكي المستقى من الحكايات الشعبية المتداولة من طراز حكاية "بقرة اليتامى" أو ما يشبه لكن كمال قرور طوّع الحكاية الشعبية بمحمولها الفانتازي لصالح قضية أعمق و أخطر مما نستقيه من حكاية شعبية فكل الرموز و الإحالات المشفرة تدل على حقيقيتها و إنتمائها الى الواقع.و إن إستعمل كمال تقنيات الفانتازيا كحافز لتحيرك المخيال الشعبي لتداوله متنا و حكاية لفرض مزيد من الإثارة و الغموض و إفتعال القلق و هي من سمات الرواية الفانتازية إلا أننا كنا أقرب الى الواقع و نحن نقرأ تحاور اللقلق مع حصان الريح داخل الرواية فقد إستغل كمال الخلفية التراثية للمحكي الشعبي ليمرر رسالة " اللاغفران" على ضياع الوطن من خلال رسم هالة لبطل شعبي متخيل آت من من كل الأراضون و بطل كل الأزمنة لكنه يختفي و معه سره الدفين.إننا أمام أحجية كالتي تحكيها الجدات و اللغز فيها يسير فتح مغاليقه المحفوفة برموز المحكي الشعبي في بساطته و سهولة تداوله . «التراس» رواية ترسم لوحة متداخلة لصراع الخير والشر، والصلاح والفساد، وبما فيها من أحداث ومواقف، انتقلت بضجيجها وصخبها إلى نفس الكاتب وعقله، وفيها من المعرفة العميقة بمسيرة العصر، وبأسرار سياساته وتوجهاته الفكرية والثقافية، ما يجعلنا نشيد بفهم صاحب الرواية لعصره، ورسم ملامح واضحة للانحراف، الذي استطاعت «السلطة» أن تغرق فيه وطنا بكامله، و تحيله على الضياع. أكثر من سنتين مضتا على صدور هذه الرواية، وما زالت الأيام تكشف عن صدق بعض التوقعات فيها، فهل يصدق ذلك التوقع، الذي تضَّمنته الرواية المتمثِّل في عودة الفارس ذات صباح ندي فيمزق بصوته الجهوري صمت الليالي الخمرية الداعرة بصراخه:"إستيقضوا من غفوتكم و غفلتكم أيها البهائم السكارى... ها قد عدت لأفي بوعدي .. تركت بينكم أمانة.. فهل حافظتم في الغياب على أمانة التراس؟... و هنا تبدأ حكاية أخرى غير التي كتبها كمال قرور في ملحمة الفارس الذي إختفى.

إرسال تعليق