قصة في إنتظار الوزير
قصة في إنتظار الوزير

بقلم : بوفاتح سبقاق
كل شيء كان يبدو عاديا تلك الليلة ، بعد سهرة راقصة مع رجال الأعمال و أعيان المدينة في نزل القمر الأحمر ، غادر صالح المكان على الساعة الثالثة صباحا نحو قصره في حي المترفين ، بالرغم من حالة السكر التي كان فيها
فقد إستطاع الوصول بسلام الى حيث يريد .
بعد نصف ساعة من إستلقاءه على السرير بكل ثياب السهرة أحس بأنغام
الحفل تتهادى الى أذنيه ، و لكن الغريب أنها لم تكن صاخبة بل هادئة و مميزة
فتح عيناه و شغل أذناه ، إنه صوت الهاتف ، بعد جهد إستطاع أن يقترب من حافة السرير ، سمع صوتا مألوفا لديه يخاطبه ...
- صديقي صالح ، بدون مقدمات ، هناك خبر سار أود أن أزفه إليك .
- لست بحاجة الى عملة صعبة و لا مشاريع و لا نساء ، ماذا تريد
يا سمير ؟
- لو تسمع الخبر ستفقد رشدك و تنهض في الحال .
- هيا إسرع إنني جد متعب ..
- سيستقيل غدا خمس وزراء من الحكومة ...
- و ماذا يعنيني حتى لو تستقيل الحكومة كلها ..
- ستكون وزيرا يا صالح ...
نهض صالح دفعة واحدة من فوق سريره و كأنه لم يشرب قطرة كحول واحدة.
- هل صحيح ما تقول ؟ و كيف حدث ذالك ؟
- لقد إتصل بي أحد الرجال المهمين ، فإقترحتك عليه ، يجب أن تكون غدا في العاصمة لكي تقترب من مصدر القرار .
- إنه أسعد خبر سمعته في حياتي ، لقد جربت كل شيء و ملكت كل ما أريد و لم يبق لي سوى أن أجرب الوزارة .
- لكن أي وزارة تريد أن تقودها ؟
- المهم أن أكون وزيرا و لو ليوم واحد ..
- إذن غدا سأنتظرك ، فلا تتأخر لأن الحسابات كثيرة و الطامحون الى السلطة أكثر ..
- لا تخش شيئا غدا سيكون عنك الوزير .
بعد المكالمة الوزارية ، قضى صالح ليلته يوقع القرارات و يمنح التفويض بالإمضاء لكل المديرين العامين من أجل تسهيل العمل و المبادرة الفردية
و يستقبل في مكتبه مبعوثي السفارات الأجنبية ن و فجأة سمع رنينا قويا ، أكيد
رئيس الحكومة على الخط ، وضع يده على السماعة بسرعة فتحول الهاتف بقدرة قادر الى منبه ، لقد إستقيظ من حلمه الجميل ، إنها الحادية عشر صباحا
على كل حال سيتجسد الحلم الى واقع قريبا ، و يمكن إعتبار ما وقع له في المنام بمثابة تربص تحضيري للعمل الفعلي .
بعد حوالي ساعة ، كان صالح المرشح للوزارة في كامل إستعداده لمغادرة قصره ، بأناقته الكلاسيكية و حقيبته الدبلوماسية سيكون وزيرا بمجرد
مروره أمام مبنى قصر الحكومة ، فإذا أطل رئيس الحكومة على الشارع
من خلال ستائر نافذته المزركشة ، لن يجد أجدر من صاحبنا ..
أوصله سائقه الخاص الى المطار ، كانت الأنظار منصبة نحوه ليس لكونه سيصبح وزيرا و لكن لأنه بكل بساطة أكبر رجل أعمال في المدينة ، الجميع يقدمون له أخلص التحيات و هو يرد بنصف إبتسامة مصطنعة ، كيف لا ؟ و وده لا يقاس بأموال ، نفوذه يسبقه لأي مكان ، ما إن تجاوز ردهة المطار حتى هرع نحوه المدير قائلا :
- مرحبا بالسيد صالح ، لك تذكرة محجوزة على أي خط داخلي أو خارجي تصله طائراتنا ، درجة أولى طبعا .
- شكرا تذكرة الى العاصمة فقط ..
- حاضر موجودة و ستنطلق الطائرة و لو بنصف الركاب ، تعال إنتظر ثواني في مكتبي حتى أعطي أمر الطيران ..
عندما كانت الطائرة تشق أديم السماء ، كان صاحبنا يجول بذهنه عبر آفاق المستقبل القريب ، سأصل العاصمة في الموعد المحدد قبل التعديل الحكومي
كل ما أتمناه أن تكون المناصب الوزارية المقترحة في مستوى تطلعاتي
ما يهمني هو الإشراف على وزارة فاعلة تصب فيها كل المصالح ، لن أرضى
عن وزارة الإقتصاد أو الصناعة بديلا ، إذا ظهرت معطيات أخرى سأقبل وزارة الخارجية أو الداخلية بكل تحفظ و لكن لن أقبل بأي حال من الأحوال
بكتابة الدولة للصيد البحري أو الغابات أو وزارة المجاهدين .
أثناء إنشغاله بخياراته المختلفة ، أيقظته المضيفة من إغفاءته مقدمة له فنجان قهوة و الجريدة المسائية ، المضيفات يضربن عرض الحائط طلبات الركاب الآخرين في حين أنهن يسارعن الى تنفيذ أي طلب لم يطلب للوزير الموعود
تأمل صالح العناوين الإفتتاحية للجريدة ، ما أثار إنتباهه عنوان بارز و بالخط العريض – خمس وزارء يقدمون إستقالتهم دفعة واحدة - و كتب تحته مباشرة – إنهيار خمس مساكن بحي شعبي - تساءل صالح في أعماقه....
هل سقطت البيوت حزنا على ذهاب الوزراء الخمس ؟
قرأ الخبر الذي يعنيه مليا ، و لكنه لم يجد فيه ما يشفي غليله ، حيث لم يتم ذكر طبيعة الحقائب الوزارية التي تم التخلي عنها بل كل ما كتب كان عبارة
عن كلمات جافة من نوع مصدر مطلع و آخر مأذون ، الصحافة عندنا آخر من يعلم ، أعرف هذا الخبر قبل نزوله الى المطابع ، هؤلاء المعربون لا يخرجون من مكاتبهم و دائما يشتكون و لا يحسنون سوى اللعب على أوتار الماضي و مكاسب الأجداد ، أجزم بأنهم لا يعرفون شيئا إسمه المهنية ...
بعد دقائق خرج صالح من الزوبعة التي أثارتها الجريدة في فنجانه ، فقد كان متأكدا بأنه سيعرف كل شيء حين يصل الى العاصمة ، فصديقه سمير يعشش
في دواليب الإدارة منذ زمان ، إنه مقتنع بان تلك الهالة التي كانت تحيط حول الوزارة و المناصب السامية قد زالت عند كل المواطنين ، فمنصب الرئاسة لم يعد يثير الإكتراث فما بالك الوزارة و عليه فقد ترسخت في ذهنه
فكرة واحدة ضرورة إغتنام فرصة مكوثه في الوزارة لتحقيق كل مآربه الشخصية ، فلابد أن يخلق شبكة من المعارف في أجهزة السلطة ، حتى يضمن تواصل نفوذه و أقصى شيء يتمناه صاحبنا أن ينفى سفيرا الى الخارج
المهم في الوقت الحالي هو ضمان البداية ...
تأمل صالح حقيبته الدبلوماسية ، و من خلالها يفكر في حقيبته الوزارية
سيقوم بإرساء دعائم وتقاليد جديدة ، لن يغير مدخل الوزارة كما يفعل
الآخرون بل سيغير كل المديرين العامين الموجودين بوزارته .
فجأة إنتبه جميع الركاب لصوت قائد الطائرة معلنا عن حدوث خلل تقني
بأحد محركات الطائرة ، وعليه طلب من الجميع التأكد من ربط الأحزمة و أخد كل التدابير و إلتزام الهدوء ، أخذت إمرأة مسنة تبكي و أخرى تصرخ
في حين أخد الرجال يرددون آيات و تسابيح ، الكل في رهبة و وجل ، ماعدا صالح الذي أقنع نفسه بتفكيره الحضاري بأن المشكل طفيف و سيحل لا محالة .
بعد دقائق أعلنت المضيفة خطورة الموقف و طلبت من الجميع إلتزام الهدوء
صعق صاحبنا في مكانه ... أيعقل أن أموت بهذه الطريقة من الجو الى الأرض .. يا لها من ميتة فظيعة ... أين أنا من رحمة الله ؟ لم أفعل في حياتي
ما يستوجب رحمته ...
بعد لحظات أعلن القائد بأنه سيلجأ الى الهبوط الإضطراري في أي مطار قريب و عليه فقد طمأنت المضيفة الركاب من جديد و أعلنت بأن قائد الطائرة
يتمتع بخبرة طويلة في الطيران.
- تبا لهذا القائد ... سوف يحقق الشهرة على حسابنا ... قال أحد الركاب .
في هذه اللحظات لم يكن صالح رجل أعمال و لا وزير بل مجرد راكب طائرة مهدد بالموت بين الفينة و الأخرى ، تمنى من صميم ذاته النجاة فهو مستعد للتخلي عن منصب الوزارة و كل أمواله مقابل الحياة ، لو يقترح عليه في هذه اللحظات أحقر منصب عمل في العالم ن سوف يقبله بدون تردد
فهو بالـتاكيد أفضل من مكانه في العالم الآخر.
في اليوم الموالي فتح أحد القراء صحيفته ، ليثير إنتباهه عنوان بارز في الوسط- الرئيس يعين خمس وزراء جدد- و في زاوية أخرى عنوان أقل إثارة
- بسبب هبوط إضطراري في مطار مهجور : قتيل و عشر جرحى - و جاء في تحليل الخبر الأخير / و قد أستدل على هوية القتيل الوحيد بحقيبته
الديبلوماسية و هو رجل أعمال مشهور /
بقلم : بوفاتح سبقاق

إرسال تعليق