''التراس''·· معوّم في نهر الحكاية الخرافية!

''التراس''·· معوّم في نهر الحكاية الخرافية!
الحبيب السائح - روائي
لابد لي أن لا أغفل أن أول ما ثار في ذهني، إذ قرأت عنوان كتاب كمال قرور ''التراس'' بفرعه ''ملحمة الفارس الذي اختفى''، هو عنوان إحدى قصص الصديق أمين الزاوي القصيرة التي أحدث بقراءتها جهرا، في أحد ملتقيات مدينة سعيدة للقصة القصيرة في الثمانيينيات، زوبعة من ردود أفعال داخل القاعة ثم خارجها بعد ذلك من مسؤول التنظيم في ''الحزب'' وقتها .
ولا بد لي من ذكر أن كلمة ''تراس'' هي من بين الألفاظ التي تخترق الحدود بين مناطق الجزائر لتدل عند أهلها على المعنى ذاته؛ وهو الرجولة والشهامة والأمان والشجاعة، في مقابل الدياثة والنذالة والخيانة والجبن؛ شيمٌ تعد في جانبها الإيجابي زينة تغوى النساء بها.
وأنا أقرأ، بانتظار متجدد عبر كل صفحة، نص كمال قرور، الأشد قصرا (68 صفحة!) مما قرأته من النصوص المنسوبة إلى جنس الرواية، عند الكتّاب الشباب من الجيل الجديد، وجدتني أزداد ولوجا في جو الحكاية الخرافية.
فقد سمحت لنفسي، في نهايته، أن أزعم أن كمال قرور إنما يكون، من خلال قصده كتابة رواية، قد أنشأ، من غير قصد، حكاية خرافية ببعض المعايير الأساسية لذلك الجنس الأدبي المتفرع عن الملحمة.
فهو يقترح بنصه ''التراس'' تشكيلا من كتابة، تنمحي فيها آثار الرواية بعمارتها وبلغتها وزمنها وبسرديتها ثم بفضائلها وبحجمها، متأسسا على الموروث الشفهي المتحرر من قيد التركيب المنطقي للأحداث ومن البلاغة المتعددة المستويات، بتعدد مفاصل الرواية؛ باعتبار الخاصية الخطية من بداية الموضوع إلى نهايته، بغض النظر عن تطور الأحداث، وباعتبار ميزة المبالغة والتضخيم وما هو عجيب ولا محدود بأي زمان أو مكان، وأخيرا باعتبار لملمة حوادث يربط بينها الراوي، الذي هو محرك عملية الحكي، من خارج النص، إذ لا ''ست الحسن''، رمز الجزائر بلاد الشمس، ولا ''التراس''، الرمز الجامع لأبنائها الذين يعشقونها فيلقون الغدر بسبب ذلك، أو ''اللقلق'' صديق ''التراس''، كشخوص رئيسيين؛ ولا ''نانا خدوج'' أو شهلة، الغاوية بـ ''التراس مرة، الزوجة البغي مرة أخرى، ولا كمال الصحافي ولا الجنرال بودبزة أو المحافظ السياسي بوخبزة ولا سي الهادي إمام المسجد الكبير، المعادلين الموضوعيين للمثقفين والعسكريين والسياسيين ورجال الدين المتصارعين حول الاستئثار بمصير الجزائر، ''ست الحسن'' التي مرغها بودبزة في تراب الإهانة ص 70، كشخوص رئيسيين جميعا، يتدخلون بشكل ما في البناء ولا في تطوير الأحداث.
ثم، وأنا أحاول أن أتمثل مصائر أولئك الشخوص الرئيسيين ''ست الحسن'' خاصة، كنت أجدني مشغول الذهن بـ ''Pénélope'' الفاتنة، في ملحمة هوميروس ''الأوديسة''، المنتظرة عودة زوجها وحبيبها ''يوليس''، الذي خلال غيبته الطويلة طمع في الظفر بها أمراء تقدموا بعروض الزواج بها فأمهلتهم أن تكمل نسج الكفن (وفي ''التراس'' نسج البرنوس الخرافي) فكانت تنثر ليلا ما تغزله نهارا.
كما أنني لم أستطع، في مقابل ''التراس'' أن أخلص ذهني من شخصية ''عوج بن عناق''، وربما ذي القرنين، الأسطوريتين. فإن ذلك ما لابد أن تثيره قراءة ما اعتبرته حكاية خرافية استعارت لها اسم رواية؛ بالنظر إلى تعويم النص في نهر السرد الشفهي !
إن كان كمال قرور يقترح رؤية تاريخية لوجود الجزائر، تلميحا لا تصريحا، فهو لا يرتكز على التاريخ فعلا، ولا على كرونولوجيا؛ متوسلا بأساليب الرواة في بهر السامعين، متقصدا إبلاغ قيم تعليمية تمس ''الروح الوطنية''؛ إذ النص كله، من حيث قيمته المركزية، يدور حول هاجس التخلي الخطير الذي يصيب أبناء الجزائر !
ثم، لابد لي من أن أذكر أن ''العماليق''، التي وظفها كمال قرور لتدل على ''غزاة'' الجزائر، مخزونة في ذاكرتي بدلالتها على الفلسطينيين القدامى، والتي ترفدها لفظة ''الجبارين'' أيضا، ولا متسع هنا للحديث عن صراع هؤلاء القديم مع العبرانيين. إنني أحب فقط أن تبقى ''العماليق'' خالصة لشعب جبار في إيمانه بقضيته كالشعب الفلسطيني!
إن كان كمال قرور، في ''التراس''، قد قدم إضافة للمتن الحكائي الجزائري، من خلال تجربة كتابة تبدو متحررة من قيد الإنشاء، بمعناه القصصي والروائي، مأسورة باستعارة الخرافة في بعدها التربوي والأخلاقي.

إرسال تعليق