رجل يستحق ان يعشق
" ..كنت حقا مفرطة في نفسي أشد تفريط ..
ولكنه اكتشف مناطق وجزر
بجسدي وقارات بروحي .." آ.ل شهيناز
( قالت) في تلك الليلة الهادئة ،كانت الآنسة الرقيقة شهيناز تنظرإلى مرآتها تجر فستانها الليلي الشفاف،سرحت شعرها،عقدته وراءها بشرائطها الحريرية الملونة بهرتها صورتها وكأنها أول مرة تقف أمامها.تأملتها مليا وهمست في أعماقها :
- أحقا أنا جميلة .؟
تبسمت المرآة :
- بل كما قال لك إنك فاتنة ..
مرطيفه مسرعا نحوهاكشهاب في السماء،ارتبكت وتلعثمت وتورد خداها خجلا،حاولت صده واقصاءه وتجاهله ولكنه أقوى منها دائما،إنه شلال متدفق بالحيوية والحياة . استطاع فجأة أن يحطم أسوارهاوقلاعهاويتسلل الىحديقة قلبها المليئة بالورود والرياحين ويتمدد هناك .
تنهدت من أعما قهاالمرآة :
- إنه يحاول أن يروض أنوثتك الساذجة ليعثر على كل الأسرار والغرائز ..
- آه .. لاتذكريني إنه يستفزني ويثيرني ..يغويني..ولما يفشل ينعتني بما يشاء..أتصدقين أني أشبه الإلهة مناة التي لاتصلح للعبادةولاللإغواء..فهوت عليها حجارة من سجيل جعلتها هشيما .وأحيانا العجوز الشمطاء التي نحتها الزمن الخريفي بتجاعيده واصفراره وتقلب أجوائه،فانكمشت تحت أثوابها الفضفاضة تلعن القدر وقد فقدت كل ماهو جميل..وأحيانا الشحيحة التي لا تجود ولاتلين ولاتهدأ ولاتغدق ..
ضحكت المرآة :
- كم هو ذكي إنه يستطيع أن يرسم خيوط أعماقك الملتوية حتى تغدو ناعمة لينة ..
امتعضت شهيناز غيظا :
- لن ألين ..ولن يستطيع أن يكون فنانا أو عبقريافي الحب
- ماذا تريدين منه إذا ؟ أتركيه وشأنه إنه رجل ..
- لاشيء سوى أني أشعر برعشة شديدة لما أقترب منه ليثمل قلبي بماء قلبه ليمنحني ثقة أكبر بالحياة وليلهمني أشياء مفقودة بداخلي،فأنذر نفسي لأكون ملهمته الدائمة ..
- ألا تخافين عليه ..؟
- بلى إن قلبي يرتعد خوفا من امرأة أخرى جامحة تراوده عني.تذهله،تسحره،وتقوده حيث يشاء ..
- أنذريه بأن أصابعها لعنة وشفتيها لهيب وجسدها جحيم..
- كم مرة أنذرته.كم مرة حاولت أن أهدىء من روعه وأصورله راهب الفكر والفن والسياسة كيف يكون .. ولكنه كان يكفهر مثل الشتاء الغضوب القاسي ويصرخ في وجهي :
- أنا آخر المتصوفين..أنا ياقديستي لست الرب الذي تتصورين..رجل أنا كالآخرين بطهارتي بنذالتي..رجل أنا كالآخرين فيه مزايا الأنبياء وفيه كفر الكافرين ووداعة الأطفال وقسوة المتوحشين ..
- هكذا هم الرجال دائما أمام النساء..أطفال ، ضعاف ، حيارى ..
- بل لئاما يخونون ،يعبثون.يشتهون كل أنواع النساء وكل الأشكال ولايكادون يؤمنون بواحدة،ولا ولن يعدلوا في الحب .
- عزيزتي أنت امرأة ولا بد أن تحسني فنون الفتنة والغواية وإلا مامعنى أن تكوني امرأة ..
- أنا لا أريد أن أكون مثل بقية النساء..أحاول قدر المستطاع أن أكون استثناء ولو على حساب أشياء دنيوية عابرة.أكثر النساء مأواهن جهنم وبئس المصير .. إني أبكي من أجلهن إني أراهن الآن أمامي عاريات ، وشرارات حارقة تقذفهن كل حين..معلقات من شعورهن بأظافرنسور سوداء ومن حواجبهن بدبابيس صدئة ،نهودهن مرماة هنا وهناك متعفنة،مهترئة تنخرها الديدان الصغيرة..أفاعي كبيرة تمتص شفاهن اليابسة الزرقاء، أجنة مشوهة ملطخة بالدماء تصرخ صراخا مخيفا تتحرك أمامهن وهن ينهشنها بشهوة وشراهة ..
ارتجفت المرآة لهول ماسمعت وكادت تهوي ذاهلة ..أمسكت بهاالآنسة شهيناز ساخرة :
- لن أنغص عليك لئلا تفقدي صفاءك هذه الليلة فما أحوجني لأرى نفسي بعد أن أثار فضولي ..
- كم أنت متذبذبة ومضطربة..شكاكة هذه الليلة ياصديقتي ..ويبدوأنه أكثرمنك جرأة وصراحة ..
- لا أرجوك لاتزيديني هماأكثر من همومي ولا تتحاملي علي مثلما يتحامل علي الآخرون..صدقيني إني حائرة..ممزقة بين السماء والأرض..لقد أحياني وقد كنت ميتة.كأنما نفخ في روحي حياة جديدة..وكأني أكتشف نفسي من جديد..هناك مناطق في جغرافية جسدي لم تكن لسنوات طوال تشغلني ولاأعطيها أدنى اهتمام ..كنت حقا مفرطة في نفسي أشد تفريط..ولكنه اكتشف مناطق وجزرا بجسدي وقارات بروحي..إنه "كولومبس "الذي له فضل اكتشاف القارة الجديدة بعد أن ظل الناس يعتقدون – مدة قرون – أن العالم هو ماعليه ..
- هذارجل يستحق أن يعشق ..
- إني أنزف..وهو لايكاد ييأس..تراودني شياطين غرائزه وتستدرجني إلى وحل الأرض وأنا أتعفف وأحاول الارتقاء به عنان السماء ..
- ولماذا لاتحاولين أن تخففي عنه بعض أعباء الأرض .. فهومن طين و ابن هذه الأرض ..
- كيف ..؟
- أنظري جيدا ..تفرسي جيدا عينيك الحالمتين ..ثغرك القرمزي..جسدك الصارخ.امشي إلى الأمام..ثم تراجعي قليلا إلى الخلف..افتحي خزانتك ارتدي ثوبك هذا..لا ذاك..بل ذاك..الأبيض الموشى بالأحمر..ضعي عقدك العنبري..أطلقي سراح شعرك الطويل..لاتنسي عطرك الفواح.. التفي إنه هناك ستذهله المفاجأة..اقتربي منه ابتسمي سينتفض ،سيهرع إليك سيطوقك بملء ذراعيه سيحتضنك..سيقبلك ويقبلك وتمتد القبلات وترحلان مع لحظات شاردة إلى عالم بديع ستشعران كأنكما تسبحان في الفضاء فوق سرير أخضر تحفه تلال بهيجة وأضواء خافتة وموسيقى عذبة ملائكية.
جف ريقها وتوهمت أنه غير بعيد عنها،في حديقتها الغناء يهمس وراء نافذتها يدعوها.فهبت بكل طاقتها إليه لكن خياله كان باسطا عليها جناحيه كالنسر..ولم تدري كيف هوت على مرآتها بيدها المرتجفة فتطايرت شظاياهاوتدفق الدم..فشهقت باكية مثل الطفلة ..
قامت المرآة تجمع أجزاءها وتمسح دموع شهيناز وتضمد جرحهاثم قالت لها :
- لاتحزني ياصديقتي،هذا رجل يستحق أن يعشق،ومن كثرة ماحدثتني عنه وقعت في غرامه..
_________________
كمال قرور كاتب وصحفي
kerouka@yahoo.fr

إرسال تعليق